First Published: 2015-05-05

حزب الله والقلمون: إيران تغادر دمشق!

 

ستحاول إيران برؤية ضيقة حشر مصالح كل إيران بمصالح جزء من سوريا، قبل أن تستسلم بالنهاية لآليات التسوية لعلها تربح بالدبلوماسية ما خسرته بالنار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

في الضجيج الدائر حول معركة القلمون "الموعودة" (وفق خطب السيّد حسن نصرالله) يتحددُ مزاج إيران الجديد حيال المستجدات الميدانية في سوريا. وبين أن تحصلَ المعركة بصفتها رفداً لموقع النظام السوري في الصراع، أو بصفتها تدبيراً وقائياً لحماية مواقع الحزب داخل لبنان، فإن الفارقَ سيعبّرُ عن استنتاجات طهران وحارة حريك لمآلات الصدام السوري – السوري الراهن.

بونٌ شاسعٌ يفصلُ ما بين الخطاب الواثق الذي كان يبثّه حزب الله قبل عام مستشرفاً حسماً للمعركة لمصلحة دمشق، وهزيمة لـ "الإرهابيين التكفيريين عملاء السعودية وتركيا"، وبين خطاب هذه الأيام الذي يجترُ مفاهيماً ويتحرى تعابيراً لمواراة الخيبة التي كشفت عنها انجازات المعارضة السورية وتقهقر قوات النظام.

في زيارة وزير الدفاع السوري فهد جاسم الفريج لطهران أعراضُ اضطراب في شكل العلاقة السورية الإيرانية كما في مضمونها. إيران متورطةٌ بشكل كامل في المعركة السورية، وهي لم تبخلْ في القول والعمل، جادت بالمال والسلاح، وأرسلت حرسها الثوري وامتدادته المجاورة، من حزب الله في لبنان إلى هزار أفغانستان مرورا بلواء أبو الفضل العباس في العراق. وفي دفاعها عن نظام دمشق وزعيمه، لا تتقدمُ طهران بصفتها طرفاً داعماً، بل بكونها قائدةً للعمل العسكري، مسيطرةً بشكل كامل على مفاصل النظام السياسية والعسكرية والأمنية، على النحو الذي يفسّر مقتل رستم غزالة (بسبب خلاف على مسألة النفوذ الإيراني على ما قيل)، ومقتل غيره من قبله ومن بعده، وعلى نحو الذي لا يحتاجُ إلى زيارة وزير الدفاع السوري لـ "إطلاع نظيره الإيراني حسين دهقان على مستجدات الوضع السوري."

تدورُ مداولات طهران - دمشق الحالية على مسلّمة إنهيار سوريا الأسد. أدركت إيران أن إنقلاباً دولياً إقليمياً ذاهبٌ إلى سحب الورقة السورية في شكلها الحالي من يد طهران، وأن انجازات المعارضة في إدلب وجسر الشغور وبصرى الشام ومعبر النصيب، وصولاً إلى الإطلالة على دمشق واللاذقية.. الخ، يعني أن التفاهمَ الخليجي التركي الأميركي قد أسس لقواعد لعبةٍ جديدة تهددُ جدياً ذلك الترابط الاستراتيجي بين دمشق وطهران الممتد في التاريخ الحديث منذ رئاسة الأسد الأب، والذي تحوّل إلى هيمنة إيرانية على القرار السوري منذ رئاسة الأسد الإبن.

تبدو طهران مربكةٌ متفاجئةٌ تفقدُ زمام المبادرة في سوريا. قد يكون ذلك الارتباك مرتبطٌ بالمداولات الأخيرة للتوقيع على الإتفاق النهائي حول برنامجها النووي، بحيث لا تريدُ للوحل السوري أن يعطل ماكينة صناعة الإتفاق المنتظر والمطلوب جداً في إيران. لكن المرجحَ أن إيران تعاني واقعياً من عللٍ تكدّست في كامل مناطق نفوذها في المنطقة.

تدك الحرب في اليمن بنسختيها، "عاصفة الحزم" و"عودة الأمل"، ما راكمته طهران على مدى السنين الأخيرة في هذا البلد. تكشفُ الحرب اليمنية محدودية الامكانات التي يمكن أن توفّرها إيران لأتباعها، إلا من تلك الإعلامية الصوتية التي تعجُّ بها أمبراطوريتها الإعلامية في طهران وبيروت. وتأتي النكسة اليمنية متواكبةً مع ارتباك اعترى أداء طهران في شؤون العراق، بحيث خرج قاسم سليماني، الذي نُسجت حوله حكايات أسطورية، خائباً، وبدا الحشد الشعبي الذي كان يشرف عليه، من خلال قيادة هادي العامري، حجر عثرة حقيقي أمام وحدة العراق، وأمام الجهد الدولي المبذول لمحاربة داعش. بدا أن النفوذ الأميركي يحاصر النفوذ الإيراني، وأن معركة الموصل والانبار، تحتاجُ للدعم الاميركي، كما حصل في تكريت، لا للدعم الإيراني، كما أن مداولات الكونغرس بشأن تسليح السنّة والأكراد تعكسُ عودة واشنطن للعب الدور الأساسي في العراق.

لم تتجهزْ إيران لموسم الارتباك الذي تعيشُه هذه الأيام. منّت طهران النفس بهيمنة على كل الشرق الأوسط بعد توقيعها المنتظر على الاتفاق بشأن البرنامج النووي. تقدّمت للمفاوضين في جنيف بملف تقنيّ حول مفاعلات وأجهزة طرد ومستويات تخصيب، لكنها حملت معها سلّة محشوّة بأوراق يمنية وعراقية وسورية ولبنانية وبحرينية وأفغانية. استغربَ المفاوض الإيراني أن المفاوضين مقابله تناولوا الملف النووي التقني، فعالجوه وتفحصوه، ولم يلتفتوا لمغريات السلة وما تكتنزه من أوراقه. فهل كان المفاوضون يعرفون أنه من السهل حرق الاوراق لأنها بالنهاية مجرد اوراق؟

لم يعدْ أحد في إيران يصدق أن بلاده "أمبراطورية عاصمتها بغداد". ينظرُ الإيرانيون بتوقٍ إلى منّة العالم بمنحهم اتفاقاً بشروط العالم، لعل في ذلك ما يفرج عن ضيقهم الاقتصادي المقيت. تعملُ الميادين في اليمن والعراق وسوريا ولبنان على إجهاض الخيارات الإيرانية الطموحة التي لطالما باركها مرشد الجمهورية علي خامنئي، ولطالما عمل لها حرسها الثوري، ومن داخله فيلق القدس الشهير. تتحوّل طهران، بين ليلة وضحاها، من حاصدةٍ شرهة لغلال واعدة وفيرة، إلى مهرولة للحفاظ على ما تبقى من بضاعة تلتهمُها النيران في متاجرِها العتيقة.

لا تنهزم إيران بالمعنى السينمائي البليد، لكنها في تأمل أحوال المنطقة تتحوّل إلى لاعب على طاولة اللاعبين، بعد أن خُيّل لها انها اللاعب الوحيد على طاولة دون لاعبين. ستفهمُ إيران قواعد المآلات الجديدة، وستسعى بجهد الثنائي روحاني - ظريف إلى ترشيق مقارباتها الدولية الإقليمية، في سعي للدفع بالتسويات، على ما تدعو إليه في الحالة اليمنية، وعلى ما يجهد دي ميتسورا في إعداده لجنيف 3 في الحالة السورية (وهي المدعوة للقاءات تشاورية بصدد ذلك).

ولأنه من الصعب تصوّر أن الحكمة ستجتاح العقل الحاكم في طهران بين ليلة وضحاها، فإن طهران قد تخرجُ من منطق سوريا الأسد وعاصمتها دمشق، إلى منطقِ التمسك بأي قطعة من سوريا يسيطرُ عليها الأسد. في هذا تفسير للتسريب الذي عبّر عنه واحد من الأصوات الإيرانية الناطقة باللغة العربية، حين اقترح، ومن خلال فضائية عربية، أن تنتقل عاصمة سوريا من دمشق إلى اللاذقية، على نحو يعكسُ عزمَ إيران على التبشير بكيان سوري جديد، ومخاطره التقسيمية (للمفارقة سكرتير مجمع تشخيص النظام محسن رضائي اتهم السعودية وواشنطن بالتخطيط لتقسيم سوريا والعراق واليمن). ستحاول إيران برؤية ضيقة حشر مصالح كل إيران بمصالح جزء من سوريا، قبل أن تستسلم بالنهاية لآليات التسوية لعلها تربح بالدبلوماسية ما خسرته بالنار.

فقط في تأمل سلوك حزب الله في القلمون ما يمكن أن يفضح ما يدور في رأس الحاكم في طهران، فإما هي معركة حتى الانتحار، أو هي مقدمة لخروج الاثنين، إيران وحزب الله، من المستنقع السوري.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>