First Published: 2015-05-05

أضاعوا أنفسهم وأضاعونا معهم بغباء

 

أنظروا ماذا فعل طاقم الحكم الشيعي في العراق بالشيعة قبل السنة قبل الحكم على حجم فشله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

برغم كل التلميع والترقيع تظل الحقيقة شاخصة تتحدى المشككين، وهي أن نظام الحكم القائم في العراق، منذ سقوط نظام صدام حسين، في 2003، نظام ديني طائفي رجعي ديكتاتوري مغلق على نفسه، ولكنه فاشل، ومهزوز وآيل للسقوط، بكل المقاييس والاعتبارات. أما المشاركون فيه من خارج البيت الشيعي فليسوا أكثر من رتوش ونمنمات ملحقة به بقصد المظاهر الخارجية الخادعة، لا يملك أي منهم قدرة على تغيير شيء من خطابه وطائفيته، ولو بأقل القليل.

وقبل أن نتقدم أكثر في هذه المقالة يلزم التوضيح بأن الحديث عن حكم شيعي في العراق لا يمس الشيعة كطائفة، وذلك لأن الشارع الشيعي العربي، بتكويناته المتعددة، وتنوعاته الفكرية والثقافية والولائية، مُغيب، بل مضطهد كغيره من شرائح عراقية مهمشة أخرى، وإنما المقصود هو التجمع السياسي الشيعي المحتكر للسلطة.

من أول بدايته وإلى اليوم رافق النظام الحاكم في العراق تنافرٌ دائم بينه وبين الشعب، وبين أحزابه وتجمعاته ومليشياته الحاكمة فيما بينها، وبينه وبين دول الجوار ودول خارجية مهمة عديدة. وقد جرَّ هذا التنافر المتصاعد المتجدد إلى فشل الدولة وإفلاسها وضياع هيبتها وسيادتها وكرامتها، مع احتمال تقسيم الوطن في النهاية بسببه، وبدء مرحلة جديدة من الاحتراب، قد تكون أشد ضراوة مما سبقها، حول الحدود والصلاحيات والثروات ومراكز القوة.

وبدون شك فإن التمزق الجذري العميق في نسيج المجتمع العراقي لم يكن ليحدث لو لم يرتكب الحكام أخطاء قاتلة ما زالوا يرتكبونها، حتى بعد كل ما حل بهم وبالوطن والمنطقة من خراب.

وأهم هذه الأخطاء وأخطرها أربعة.

أولها استخدامهم الغش التكتيكي المرحلي مع الإحتلال الأميركي. فقد استغلوا قوته لإسقاط نظام صدام وتسليمهم السلطة، ثم فضوا الاتفاق معه، ثم جاهروا بترابطهم العضوي المصيري مع إيران. الأمر الذي قادهم إلى العزلة، وجعلهم أذرعا إيرانية تستدعي خصومة جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الرافضة لهيمنة إيران على العراق والمنطقة. وكانوا في غنى عن كل هذه العداوات. وقد يكون تحول القوة الأميركية من دعمهم والتحالف معهم إلى دعم السنة والأكراد والتحالف معهم إفرازا طبيعيا لذلك الإلتصاق الوجودي بإيران.

أما الثاني فهو اعتمادهم سياسة القمع والتهميش وإنكار الحقوق مع الطائفة السنية ومع المسيحيين، وفي حالات كثيرة مع الجبهة الكردستانية التي تحالفت معهم في البداية، والتي بدونها لم يكن في إمكانهم ركوب السلطة والتفرد فيها واحتكارها.

فقد استخدموا قوة الدولة المركزية ومواردها وفيالق الميليشيات المتمردة حتى على قياداته ذاتها لتطبيق سياسات التطهير الطائفي والديني والعرقي في المناطق المختلطة، ومارسوا كثيرا من فنون التجويع والتضييق والقمع ليس ضد مخالفيهم ومعارضيهم السياسيين وحسب، بل ضد مواطنين أبرياء لا علاقة لهم بأي حزب أو تنظيم سياسي. وقد أطلقت الحكومة مؤخرا سراح آلاف المعتقلين والمعتقلات بعد أن قضوا سنوات عديدة في السجون السرية والعلنية دون تهم ودون محاكمات.

وحين حدث الغزو الداعشي لمناطق شاسعة من نينوى وصلاح الدين والأنبار لم يتوقفوا لنقد الذات وتصحيح الفكر والممارسات، بل زادوا جرعات الخداع والنفاق، في محاولة للزج بأبناء المحافظات المحتلة لمقاتلة داعش، نيابة عن السلطة ولصد شرورها عن بغداد وكربلاء، ولكن المرء لا يخدع مرتين، ولأن الثقة يهم وبأحزابهم وميليشياتهم كانت قد فقدت آخر أنفاسها، ودفنت تماما. وقد جاء تحرير تكريت ومدن في ديالى ودخول ميليشيات الحشد الشعبي إليها ليثبت أنهم لا يؤتمنون. ثم اكتملت المحزنة بطلب الحكومة من أي هارب سني من الأنبار أن يجد كفيلا يتعهد بضمان حسن سلوكه مدة بقائه في بغداد والمحافظات الأخرى.

إن سياساتهم غير العاقلة والقائمة على الانتقام والثأر لسنوات الحكم الصدامي الذي يصرون على اعتباره حكما سنيا طائفيا تستحق الطائفة السنية بسببه العقاب، وهي في أكثرها رغبات إيرانية، كان لابد لها أن تستدعي ردة فعل طائفية سنية، بالمقابل، وأن تدفع بالمتطرفين السنة إلى حمل السلاح. وكان طبيعيا ومتوقعا أن يستثمر هذه الحالة بعثيون حاقدون طامحون إلى تخريب الملعب، و"قاعديون"، ورجال دين طائفيون، وسياسيون سنة إنتهازيون تجار شعارات، ودولٌ مجاورة من مصلحتها منع قيام دولة عراقية متماسكة موحدة، وقوى خارجية ومحلية عديدة معادية لهيمنة إيران على العراق. ومن المحتمل أن تقود هذه التطورات المدمرة إلى تقسيم الوطن، وفق نظرية الكونغرس الأميركي، الأمر الذي سيشعل حروبا جديدة، سنية شيعية كردية، على الحدود والموارد ومصادر الطاقة والثروة.

والخطأ الثالث الأكثر ضررا بأحزاب الحكم الشيعي ذاتها، قبل غيرها، هو تهميش عموم الطائفة الشيعية في المحافظات الجنوبية، وإهمالها، وعدم توفير الحد الأدنى لها من الخدمات والمساواة والرعاية، في الوقت الذي بددت فيه مئات الملايين والمليارات من الدولارات على مشاريع استعراضية غير إنتاجية، كالإغداق بلا حساب على مواكب العزاء المفتعلة، والإكثار من مراكز العزاء، وتكوين المليشيات وتسليحها، لإلهاء الطائفة، من جهة، وإرهابها من جهة أخرى، وعدم إتاحة الفرصة لمعارضين شيعة عرب يرفضون ولاية الفقيه، ولا يوافقون على مصادرة القرار الشيعي بهذه الطرق الملتوية الخادعة. مضاف إلى كل ذلك ما يتداوله المواطن الشيعي نفسُه، قبل غيره، من قصص وحكايات مرعبة ومخجلة عن اختلاسات وصفقات وعمولات مقابل ملايين من أبناء المحافظات الجنوبية محرومة من أبسط حقوق المواطنة.

بعبارة أخرى لقد عزلوا حكمهم عن طائفتهم نفسها، ثم عن طوائف وشرائح الشعب العراقي الأخرى، وخربوا علاقات الدولة العراقية بدول الجوار، وبالخارج، كذلك.

أما الخطأ الرابع فهو اقتناعهم بأن المال يخدم الحكم ويطيل عمره ويثبت أركانه. فأجازوا وشرعنوا، عملا بهذا المبدأ، لأحزابهم ومليشياتهم حق استباحة موارد الدولة، والتصرف بالوزارات والمؤسسات، حصصا ومكافآت وعمولات وصفقات، وغضوا الطرف عن تهريب الملايين والمليارات إلى الخارج. وها هي الدولة توشك أن تفلس وتستجدي الإعانات من الدول الأخرى.

ولأنهم فشلوا، وتجاربُ ثلاث عشرة سنة تؤكد ذلك، فقد كان عليهم أن يعترفوا بعجزهم، وأن يستعينوا بخبراء (تكنوقراط)، حتى من طائفتهم ذاتها، لتصحيح المسار، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الحكم وسيادة الدولة ووحدة أراضيها ومواطنيها. ولكنهم لم يفعلوا، بل زادوا من تشبثهم بالسلطة بنفس العقلية والأساليب والوسائل الخاطئة ذاتها. حتى أن رئيس عصابة، قيس الخزعلي، يتجرأ فيتمرد ويثور على رئيس وزرائه حيدر العبادي، ويهدده بالويل والثبور.

وأخيرا جاءت مصادقة البرلمان العراقي على اعتبار قرار الكونغرس الأميركي تدخلا في شؤون العراق الداخلية، وباللغة النارية التي صيغ بها بيانه، مع انسحاب الأكراد والسنة وامتناعهم عن التصويت، لتقدم لنا دليلا واضحا على عدة أمور.

أولها، سقوط هيبة أعضاء البرلمان جميعهم في نظر ناخبيهم، لأنهم أثبتوا أنهم إمعات ومنافقون يرفضون "تدخلا ورقيا" في شؤون العراق الداخلية من طرف، ويُقبلون يد طرف آخر يجاهر باحتلال للعراق، ويعلن دائما أن بغداد أصبحت عاصمة امبراطوريته الفارسية العائدة من أعماق التاريخ.

وثانيها، انفراطُ العقد الأمركي الشيعي العراقي نهائيا ودون رجعة.

وثالثها، خيبة أمل حقيقية لدى قادة الحكم العراقي وشعورٌ خانق بالفشل والعزلة.

ورابعها، ترسيخٌ للانقسام، وتعميقٌ لافتراقهم عن المكونات العراقية الأخرى.

وفي جميع الأحوال فإنهم بمجمل سياساتهم التهميشية والقمعية والانفرادية هذه ألحقوا الضرر بأنفسهم وأحزابهم، أولا، ثم شوهوا سمعة المرجعية، ثانيا، ألحقوا، ثالثا، خسائر حاضرة وأخرى آتية لا ريب فيها بالنفوذ الإيراني في العراق، وربما في المنطقة. لقد أضاعوا أنفسهم وأضاعونا معهم، بجشع وأنانية وغباء، ولن يغفر لهم هذه الجريمة تاريخ، من الآن وإلى أبد الآبدين.

 

إبراهيم الزبيدي

الاسم سمير
الدولة بلاد العرب

شرح كافي لخطط ايران الخبيثة

2015-05-17

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

نعم الطائفية هي ا

2015-05-05

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش
2017-10-12
حروب العنصريين القديمة الجديدة في المنطقة
2017-09-26
لا مسعود ولا خصومه
2017-09-15
إذهبوا فأنتم الطلقاء
2017-09-08
مراوغات ومناورات ومغالطات
2017-09-05
إيران وتركيا ومَن بينهما
2017-08-22
الخميني في الموصل وتكريت
2017-07-17
العراق إيراني
2017-07-11
كردستان وهواية مصارعة الثيران
2017-06-27
حيدر العبادي وسياسة 'ما يطلبه المستمعون'
2017-06-20
المزيد

 
>>