First Published: 2015-05-07

شعوب أم ميليشيات؟

 

دولتا داعش وحزب الله ليستا في العراق وسوريا ولبنان، بل هما أثر جارح وعميق القسوة في جسد تاريخ المنطقة ووعي أهلها البسطاء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يمكننا أن نتخذ من ظاهرة حزب الله في لبنان مثلا على ما يمكن أن يشكله غياب الدولة من ضرر على المجتمع. وقد يقال إن لبنان يقع في الاستثناء دائما بسبب وضعه الطائفي الملتبس تاريخيا، ذلك لأن الحياة السياسية فيه كانت دائما تخضع للتجاذبات الطائفية، غير أن الفوضى لم تعد حكرا على لبنان وحده. فالعدوى تكاد تصيب الجميع تقريبا، في ظل انهيار أو ضعف الدولة وتشبع المجتمع بقيم غير مدنية.

حزب الله ليس تنظيماً سياسياً، بقدر ما هو كيان عقائدي يستند بشكل اساس على قوته المسلحة، التي لم يقتصر استعمالها على أعمال المقاومة، بل تعداها إلى ترهيب المدنيين اللبنانيين وصولاً إلى تعطيل الحياة السياسية، بحيث صار من الصعب على اللبنانيين أن يختاروا رئيساً للجمهورية إلا إذا تم ذلك من خلال حزب الله، وهو الخيار الذي لا يزال اللبنانيون يقاومونه حتى هذه اللحظة، بثمن معروف سلفاً.

كانت عسكرة المجتمع ولا تزال هي الاسلوب الذي تتبعه الميليشيات المسلحة من أجل فرض رهاناتها على الارض، بعد أن تكون الدولة قد وهنت مثلما هو الوضع في سوريا أو تكون الدولة قد حُطمت بضربة واحدة كما هي الحال في العراق أو تكون الدولة مخطوفة وفي اجازة اجبارية وهو ما يمكن أن يوصف به الوضع في لبنان. اما لماذا تتم تعبئة المجتمع عسكريا؟ فتلك خطوة استباقية تكون تمهيدا لخطوة القفز إلى السلطة أو التمدد وبسط النفوذ، وإن كان ذلك لا يعني هدم هياكل الدولة المفرغة اصلا من أي معنى، يمكن أن يضعها في الاعتبار.

وكما أرى فإن كل التظيمات المتشددة المسلحة انما تسعى إلى أن تصل إلى ما وصل إليه تنظيم داعش، حيث أن دولته التي تُقصف من الجو هي في الواقع أجزاء مقتطعة من الاراضي السورية والعراق، اما دولته الحقيقية فإنها تقيم في ما سيتركه من أثر جارح ومؤلم وعميق القسوة في جسد تاريخ المنطقة من خلال التدمير المنظم لكل معالم الحياة والهوية والحضارة والانتماء المشترك. ومَن ينظر إلى ذلك التنظيم الارهابي من جهة زواله فإنه يغمض عينيه عن حقيقة تغلغل قيم ذلك التظيم في لا وعي الجماعات التي تطفو على السطح وهي الجماعات التي لم تعد تثق بكيان سياسي اسمه الدولة ولا بشيء اسمه القانون.

وهكذا تكون الجماعات المسلحة قد نجحت في أن تنحرف بمسار التاريخ لتضع الشعوب في خدمة مشاريعها التدميرية، فما فعله داعش لن يُمحى بزواله. بل أن الاخطر من ذلك يكمن في أن داعش وسواه من التنظيمات المسلحة لا تغادر إلا بعد أن تصنع بيئة ثقافية لا تذكر بها أو تثني عليها حسب، بل في إمكانها أن تعيد انتاجها، عن طريق نسخ، ستكون أسوأ بكثير من الأصل.

ومثلما هو تنظم داعش فإن حزب الله كان قد وزع دولته بين جزءين. جزء يُرى متمثلاً بالضاحية الجنوبية من بيروت وجزء يقيم في عقول وقلوب ومشاعر وسلوك وتمنيات البسطاء من الناس، وهو الجزء الأكثر خطورة، من جهة كونه يمثل تكريسا لمشروع الحزب، حتى وإن لم يعد الحزب موجودا.

بهذا تكون الجماعات المسلحة قد حولت شعوبا بأكملها إلى محميات لمشاريعها الظلامية، الامر الذي يجعل من مهمة انقاذ تلك الشعوب من التهلكة أمرا شديد العسر، ما لم تنفض الشعوب عن نفسها غبار الجهل والتبعية العمياء وتنتبه إلى أنه قد جرى تحويلها إلى قطعان تجر إلى الذبح بمشيئة قطاع الطرق والآفاقين واللصوص الذين اتخذوا من الدين، في وجهه الطائفي مهنة لهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>