First Published: 2015-05-10

'بشمركة' بين مجد الماضي وخواء الحاضر

 

الأجيال الجديدة من 'البشمركة' لم تعد تتحدى الموت، ولا تعدو كونها الآن إلا واحدة من فقرات المحمية الاميركية التي لم يكن مطلوباً منها أن تدافع عن نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يحسن بنا ألا نؤخذ بالتسميات الشكلية، ذلك لأنها لا تشير إلى المعنى ذاته دائما. فافراد البيشمركة، وهي ميليشيات كردية كانوا قد وقفوا دائما في مواجهة الموت في ماضي الدولة العراقية، ولم يكونوا دائما على حق. ذلك لأنهم رهنوا مواهبهم في الحياة لفكرة الموت من أجل الإنفصال عن كيان سياسي، كان مهندسو خرائط سايكس بيكو قد انتهوا من رسمه لتوهم.

هل أخطأ الكرد في فهم التاريخ السياسي يوم زجوا بشبابهم في حروب سيخسرونها دائما؟ ولأن اللغة الكردية لم تكن دائما لغة تدوين، فإن الكرد لم يتعرفوا جيدا على تاريخ هزائمهم. لقد خُيل إليهم أن العصيان في الجبل يكفي لكي يقول المرء كلمة الفصل في النهاية. وهي الكلمة التي لم يسمعها أحد في العالم حتى العام 1991، حين قررت الولايات المتحدة أن يكون شمال العراق منطقة محمية وآمنة للكرد وحدهم.

يومها بدأ التحول.

لم يعد الكرد في حاجة إلى بشمركة. ذلك لأن الموت المجاني الذي كانوا يخشونه لم يعد محتملاً. وإذا ما كانت الميليشيات الكردية قد تقاتلت في ما بينها أواسط التسعينات فاستنجد فصيل منها بالجيش العراقي ليرد غزوة فصيل آخر، فإن ذلك كان مؤشرا على أن البشمركة لم تكن مؤهلة للدفاع عن مناطق نفوذها. لقد انتهى جيل المقاتلين الكرد الحقيقيين فلم تعد البشمركة إلا واحدة من فقرات المحمية الاميركية التي لم يكن مطلوبا منها أن تدافع عن نفسها.

وهكذا تكون فكرة المقاتلين الكرد الأشداء قد صارت جزءا من الماضي، حين صار الانتساب إلى ميليشيات البشمركة نوعا من الوجاهة الاجتماعية بدوافع اقتصادية. وهي وجاهة تتناقض حتما مع فكرة مواجهة الموت. لم يعد الكرد في ظل الحماية الاميركية في حاجة إلى فدائيين. ذلك لأن الموت نفسه لم يعد حاضرا في ظل غياب الخطر الذي يمثله حضور الدولة.

كانت هزيمة البشمركة أمام داعش بمثابة اختبار تاريخي، خسره الكرد بكل يسر. غير أنهم بسبب انغلاقهم على ثقافة لا تعترف بالهزائم كانوا ينكرون وقوعهم في فخ ترفهم الاستهلاكي. لقد كانوا يستهلكون تبعيتهم لحماتهم، من غير أن تكون لديهم فكرة عن مواجهة عدو افتراضي مثل داعش، وهو عدو غير متوقع، جاء من وجهة نظر البشمركة في اللحظة الخطأ من التاريخ.

اليوم يطالب مسعود البرزاني وهو زعيم الاقليم الكردي في العراق وهو في الوقت نفسه زعيم واحد من أهم فصائل البشمركة من الولايات المتحدة أن تسلح البشمركة مباشرة، من غيرالمرور بحكومة بغداد، وهو طلب ينسجم مع الطريقة التي يمارس البرزاني نفسه سلطته من خلالها في مناطق نفوذه، باعتبارها مناطق مستقلة وغير خاضعة لرقابة ما يُسمى اليوم في العراق بالحكومة الاتحادية.

ولكن هل سيعيد السلاح الحديث للبشمركة مجدها الذي اندثر؟

عبر عقود طويلة قاتل الكرد بأسلحة بدائية واستطاعوا أن ينتصروا على حملات الابادة، وكان سر بقائهم أحياء يكمن في نوع الايمان بقضيتهم وثقتهم بعدالة تلك القضية، غير أن الزمن تبدل، فصارت القضايا الكبرى لا تحتل مراتب متقدمة في قائمة مشتريات رجال الاعمال الفاسدين، وهو ما جعل الانتساب الى فصائل البشمركة هدفا للباحثين عن عمل، يستطيعون من خلاله أن يغطوا تكاليف عيشهم.

لا تزال الفصائل الكردية المقاتلة تحمل الاسم نفسه، غير أن الاسم لا يشير دائما إلى المعنى نفسه. فالأجيال الجديدة من أولئك المقاتلين لا تدخل في ثقافتها فكرة مواجهة الموت التي تشير إليها كلمة "بشمركة".

لذلك يمكنني القول إن الكرد مثلما هم العرب في العراق لم يبذلوا جهدا حقيقيا في مجال توفير الحماية الذاتية وإن معركة حقيقية واحدة يمكنها أن تكشف عن حالة الزيف والكذب على الذات أولا وعلى الآخرين ثانيا التي صنعوها من غير أن يتخيلوا أنهم سيكونون ضحاياها الوحيدين.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
المزيد

 
>>