First Published: 2015-05-10

تبا للإعلام!

 

مورغان فريمان يدرك كم يبدو العالم مرتبكا من دون وسائل إعلام لأن الحكومات لا تدفع أكثر من ضريبة كلامية وهي تتحدث عن الانفتاح وتبادل المعلومات بحرية، والنخبة السياسية عندما تصل إلى موقعها لا تهتم بغيره بالقدر الذي يبقيها متنعّمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

قد نجد مسوغا لاستياء الفنان مورغان فريمان من وسائل الإعلام في تغطيتها للاحتجاجات في بالتيمور والمواجهات بين أميركيين من أصول أفريقية والشرطة على مدار الأسبوع الماضي، واعتباره تغطية الإعلام لمقتل الشاب فريدي غراي من قبل الشرطة في جريمة اعتبرت عنصرية، غير واقعية، هو أيضا أمر قابل للفهم من قبل وسائل الإعلام نفسها وليس الجمهور وحده.

لكننا في كل الأحوال بحاجة إلى تفسير لاختصار ممثل محبوب مثل فريمان كل ذلك الاستياء بقوله “تبا للإعلام”!

لن نجد مثل هذا التفسير عند الكاتب السويسري رولف دوبلي في كتابه “الأخبار فن التفكير بوضوح: عمق الفكرة وعمق القرار”، عندما نصحنا بالتخلي عن متابعة الأخبار وقراءتها من أجل سعادة الإنسان. واصفا الأخبار بأنها مضللة وحشو فارغ ولا تفسر ذاتها وتسمم البدن وتزيد من الأخطاء الإدراكية وتغزو مساحة التفكير في الدماغ.

ولا حتى عند رئيس حزب العمال البريطاني إد ميليباند بصفته السياسية وهو ينهي معركته الانتخابية بهزيمة مدوية، عندما يرى أنه ليس بمقدور أحد إحداث أي تغيير إذا كانت فكرة مثل إن كل السياسيين مرتشون وغير شرفاء، سائدة فـي كل ما تكتبه الصحف.

يدرك مورغان فريمان مثل دوبلي وميليباند كم يبدو العالم مرتبكا من دون وسائل إعلام لأن الحكومات لا تدفع أكثر من ضريبة كلامية وهي تتحدث عن الانفتاح وتبادل المعلومات بحرية، والنخبة السياسية عندما تصل إلى موقعها لا تهتم بغيره بالقدر الذي يبقيها متنعّمة، أما الصحافة فهي تمارس دورها في الرقابة.

فبمجرد تطويق وسائل الإعلام في صيغة التذمر التي أطلقها الممثل الشجاع بـ”تبا للإعلام”، أو المطالبة بتقنينها، ذلك يعني بالتأكيد أنه يسيء فهم طبيعة الأخبار وهدفها.

الصحافة هي الطريقة الوحيدة المتاحة للمناقشة الحرة، والتي يعلم الجميع أهميتها الآن، ولكن الحكومات نفسها لن تشجعها وكذلك أجهزة المخابرات لن ترحب بها أبدا.

وهذا ما دفع بول داكر رئيس تحرير صحيفة ديلي ميل البريطانية إلى مناشدة الحكومات من أجل وقف العدائية تجاه الصحافة، واصفا تلك العدائية بأنها تهدد مستقبل صناعة واسعة النطاق. ويعتقد بول داكر مثل غيره من الصحفيين، أن أثمن ما تملكه الصحافة حريتها، وبمجرد منح الحكومات الحق في التدخل في المحتوى التحريري، سيسلبها هذه الصفة الثمينة.

فهل يريد مورغان فريمان بكلامه أن يسلب أثمن ما تملكه الصحافة؟ هو يدرك أن عمل الإعلام وراء نسبة فساد أقل في بلاده وفي البلدان الديمقراطية الأخرى. وبمجرد تقييد حرية الإعلام يعني أن مؤشر الفساد سيرتفع، مثلما يعني أن الحكومات ستتمادى في أخطائها.

فالديمقراطية تتأسس على المشاركة وحرية المعلومة. وتحويل النّقاش السياسي من وسائل الإعلام التقليدية إلى الإنترنت، مع كلّ ما تحمله هذه العملية من امتدادات تُحَتِّم المشاركة الفعّالة للعوام، هذه واحدة من أهم مهام الإعلام.

ولم يعد الإعلام يكتفي بتلك الصورة التاريخية وأصبح صناعة متحركة لا تخضع لأجندة مؤسسات أو حكومات أو أموال، الإعلام اليوم ليس عربة واحدة أو لونين لا ثالث بينهما. إنه صناعة شعبية قائمة يحركها “المواطن الصحفي” قبل أن تتحكم بمقودها رؤوس الأموال والحكومات. أو مثلما يصفه بيان الإنترنت الذي أصدرته نخبة من الإعلاميين قبل سنوات بأن الإنترنت قد بعثر نظام وسائل الإعلام الموجودة عبر تجاوز أحاديّتها القديمة “احتكار القلّة”، فالنشر وانتشار المضامين الإعلامية لم تعد مرتبطة قطعا بالاستثمارات الضخمة، الوعي بالذات الصحفية، لحسن الحظ، هي الآن في طور الشّفاء من وظيفة كحارس معبد، فكل ما يتبقى هي الجودة الصحفية التي تتميز بها الصحافة عن عملية نشر عادية.

لذلك لا يمكن أن نكتفي بفكرة أن إعلام المحطة الحكومية للدولة كذا منحاز، لأن ثمة المئات من المحطات المنافسة تقدم الصورة من زوايا مختلفة. ولم تعد إمبريالية البث الفضائي قائمة في شبكة “سي أن أن” مثلا، لأن الأموال ليست وحدها من تحتكر المعلومة، قد تصنع الأموال محتوى متميزا لكن هذا المحتوى لن يكون قادرا على صناعة رأي أحادي لكل فئات الجمهور وإن وصل إلى أبعد نقاط العالم النائية.

فتلميذ في قرية نائية من أفريقيا عبر هاتفه أو جهازه المحمول أصبح مصدرا خبريا مهمّا لكبرى المؤسسات الإعلامية التي تذمر منها الفنان مورغان فريمان. فهل من العدالة للإعلام بعد ذلك أن يتقبل الجمهور تلك الـ “تبا” التي أطلقها الممثل المحبوب؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
الحكومات لا تبالي بشمس جهنم
2017-08-08
الإقلاع عن فيسبوك كالإقلاع عن التدخين
2017-08-06
نادية نجمة بريطانية
2017-08-01
صحافة تهتف مع المشجعين
2017-07-30
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
المزيد

 
>>