First Published: 2015-05-11

خلاصة الفوضى في بلدة الخالص

 

لو حدثت مجزرة الخالص في أي مكان آخر لاجتمع لها مجلس الأمن، ليدينها ويعاقب الحكومة التي تقف وراءها، غير أن العراق يقع بالنسبة للعالم في موضع ما لا يُقال.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كلما ورد اسم بلدة الخالص العراقية في الأخبار أتذكر مصطفى جواد (1904 ـ 1969)، وهو عالم لغة عربية فذ ونادر من نوعه من أصول تركمانية، كان يقدم من خلال تلفزيون بغداد برنامجا بعنوان "قل ولا تقل".

قد يكون مفاجئاً للكثيرين إذا ما قلنا إن ذلك البرنامج كان شعبياً إلى درجة محيرة. صار الكثيرون في الشارع يقلدون اسلوب جواد في نطق الكلمة، إما ثقة باستنتاجاته اللغوية وهو تلميذ الاب انستاس مار الكرملي، صاحب مجلة لسان العرب أو سخرية من ذلك التركماني ـ أعتقد شخصيا أنه كان كردياً ـ الذي فاق علماء العرب في وفائه للعربية وحرصه عليها.

الخالص هي مدينة ذلك العالم وفيها يقف تمثاله الذي أشك أنه لا يزال موجودا، بعد أن قرر العراقيون بتنظيم داعش ومن غيره أن يدمروا شواهد حضارتهم التي صارت تشعرهم بضآلة وصغر وانحطاط حاضرهم وفقرهم الخيالي المدقع.

في الخالص وقد شهد سجنها مؤخرا تمرد سجناء يقال إنهم ارهابيون، نتج عن ذلك التمرد فرار اربعين سجينا وقتل خمسين آخرين وعدد من رجال الشرطة. وهي مجزرة لو حدثت في أي مكان على الأرض باستثناء العراق لأجتمع من أجلها مجلس الأمن، ولأصدر قرارا بإدانتها ولفكر في فرض عقوبات على الحكومة التي تقف وراءها، غير أن العراق يقع بالنسبة للعالم في موضع ما لا يُقال حسب نظرية مصطفى جواد ولم يصل بعد إلى موضع ما يُقال.

في حالة مأساوية من هذا النوع هل نلوم السجناء المتمردين أم نلوم حكومة بغداد التي سمحت لشرطتها في القتل؟ لم يُقتل أحد في سجن رومية ببيروت حين شهد ذلك السجن تمردا مماثلا، ولبنان ليس سويسرا ولا السويد. لبنان هو الآخر مثل العراق دولة ملغومة بالطائفية وبالعنف والجريمة وضياع هيبة القانون، غير أن سياسيي تلك الدولة يخشون ما يمكن أن يُقال. وهم لذلك يتصرفون بمنطق الحزم الأخلاقي، الذي لن يكون القتل جزءا من مفرداته.

المشكلة دائما تتعلق بثقافة الحاكم وليس بثقافة المحكوم. وما دام حكام بغداد يؤمنون بالقتل حلا للفوضى، فإنهم يذهبون بالفوضى إلى أقصى مدياتها. هم في الحقيقة يدركون أنهم لولا الفوضى التي صنعها الاميركان في العراق ما كان لهم أن يصبحوا حكاماً ولا سياسيين، تتيح لهم مناصبهم في السلطة وفي المعارضة سرقة مليارات الدولارات من ثروة شعب، صار الارهاب تهمته إن اعترض على الفساد واللصوصية ونهب المال العام وتحوليه إلى مجموعات من النازحين.

ما حدث في سجن الخالص هو في حقيقته يمثل خلاصة للفوضى الذي صار العراق مسرحا لها منذ احتلاله اميركيا عام 2003. ولأن قرار الفوضى كان أميركيا فإن أحدا من حكام العراق الجدد، وهم مجرد منتجات جانبية رخيصة لذلك القرار لن يقوى على مخالفته أو الانحراف عن مساره.

لقد سبق لنوري المالكي وهو رئيس وزراء عراقي سابق أن قتل خمسين متظاهراً سلمياً في بلدة الحويجة من غير أن يعلق المجتمع الدولي بشيء استنكاراً واحتجاجاً على تلك المجزرة. لم يجرم أحد المالكي وهو اليوم يحتل منصبه الرمزي نائبا لرئيس الجمهورية، باعتباره عرابا للطائفية.

فإذا كان المجتمع قد سكت عن مقتل خمسين متظاهرا سلميا في الحويجة فهو لا يجد حرجا في السكوت عن مقتل خمسين سجينا متهمين بالإرهاب. وهو بذلك يعفي نفسه من الشعور بالعار. فما لا يُقال لا يمكن أن يُسجل في قوائم االعار، التي تفنن العراقيون المتعاونون مع المحتل في ابتكارها من أجل أن يُحرضوا على قتل مناهضي الاحتلال.

لو عاد مصطفى جواد إلى بلدته التي ولد فيها فإنه لن يطيق رائحتها، لا بسبب ما ينبعث من جثث القتلى بل بسبب ما نخلفه الخيانة من روائح عفنة.

لقد خان العراقيون نظريته في "قل ولا تقل" فصاروا يفعلون ما لا يُفعل.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>