First Published: 2015-05-12

الأرمني العراقي البريطاني

 

هو ابن وطن جمعنا فيما مضى، أحببناه وسلب مسراتنا، وابن بلد اتخذناه اليوم وطنا فمنحنا الكرامة والطمأنينة، إنه الأرمني العراقي جاري 'البريطاني' الذي لا أعرف اسمه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يعيشون خائفين اليوم في الزمن الطائفي

كانت علامات التوجس غير القَلِق على وجه الرجل الذي احتفظ بصحته مع أنه اقترب من عقده الثمانيني، كان يبدو كمن اكتشف في ملامحي ما يعيد له أربعين سنة من الذكريات والأغاني في هذه البلدة الإنكليزية المكتفية بذاتها، فـ “ويتون” مازالت محافظة على قَدَرها الإنكليزي، هي ليست قرية لكن تاريخها قروي بامتياز، فعلى بعد بضعة كيلو مترات منها سكن فان كوخ ورسم أشهر لوحاته عن الحقول الخضراء، وأبعد منه قليلا رسم شارلي شابلن أحلامه السينمائية، وعلى ضفة التايمز قريبا منها عاشت فرجينيا وولف كآبتها في ريجموند.

في ويتون قبل أيام من أعياد الميلاد التقيت الأرمني العراقي وكان حدسه صادقا في عراقيتي، لقد وجد فيّ مستمعا لا يكرر عليه ذكرياته، ربما أعادها على المقربين منه عشرات المرات منذ اغترابه قبل أكثر من نصف قرن، تحدث لي عن الغناء وعن بغداد وعن زمن أفل لا يريد أن يقارنه بزمن تٌسلب فيه كرامة العراقي ليس من شرطي أمن كما كان، بل من ميليشياوي أو رجل دين معمم.

ردد بولع أغنية “أخ بوية عيوني أيا المشى ولاكال” غير مبال بالجالسين جوارنا من الإنكليز الذين ينتظرون دورهم مثلنا عند الحلاق.

حدثني هذا الأرمني عن هذه الأغنية وكيف أول من غناها ناصر حكيم، لكنه يحبها بصوت سعدون جابر، فهو مازال إلى اليوم يحتفظ بأشرطة الكاسيت ومسجل عتيق في منزله، الأرمني العراقي البريطاني أشبه بمخزن ذكريات.

لا أعرف كيف ومع من يعيش، فهو عراقي مثخن بالذكرى مع أن إنكليزيته تشي بأنه من أهل أكسفورد، عندما أردت مجاراته الحديث استذكرت الأرمني أوانيس صديق ابن عمتي، وكيف كنّا نحن الصغار ننبهر أمام سيارته الصغيرة متساءلين كيف يقودها هذا الرجل السمين، لكنني ترددت أن أتحدث عن سعدون جابر وكيف يغني اليوم مقام المخالف بوله ووجع موغل في تعبيريته، مثل ولهه تماما بـ “أخ بوية عيوني”.

افترقنا بعد أن أنهى حلاقة شعر رأسه قبلي وكان يود أن يستمر اللقاء، ولكن يا لأنانيتي عندما تركته يذهب في يوم لندني بارد يترقب احتفالات أعياد الميلاد دون أن أعرف حتى اسمه.

واليوم كلما أمر مع زوجتي في ويتون تشعر بأنني أترقب الوجوه دون أن تعرف أنني أبحث عن الأرمني العراقي البريطاني.

هو ابن وطن جمعنا فيما مضى، أحببناه وسلب مسراتنا، وابن بلد اتخذناه اليوم وطنا فمنحنا الكرامة والطمأنينة، إنه الأرمني العراقي جاري “البريطاني” الذي لا أعرف اسمه وأين يسكن، يا للمشقة! ويا للأوغاد الذين يفرقون بين الناس اليوم وفق دينهم وهويتهم!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

شعجب شرجب كرم نعمة يكتب موضوعا ليس فيه الاعلام الرقمي والورقي ومردوخ وغوغل والصحافة

2015-05-12

الاسم سليم متي سركيسيان
الدولة عمان

اشكر الكاتب كرم نعمة على هذا التوصيف للارمن العراقيين هم فعلا هكذا اشخاص خدموا العراق واخلصوا الى تربته واسهموا في بناءه من ينسى كوبنكيان الذي بنى ملعب الشعب الدولي، لكن للاسف يعيشون اليوم تحت ظلم الحكم الديني الطائفي للعراق

2015-05-12

الاسم محب لسعدون جابر
الدولة ديترويت

الله الله مقال رائع ذكرنا بالاغنية الرائعة لفناننا الكبير سعدون جابر والف شكر للاستاذ كرم نعمة على هذا المقال الرائع

2015-05-12

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>