First Published: 2015-05-13

شبح أميركي لا يكف عن القتل

 

خيال الحرب هو جوهر شرها: الحرب لا تنتمي إلى الماضي إلا في حدود زمن وقوعها، اما في جوهرها فإنها محاول لئيمة وخبيثة لصناعة المستقبل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعد اربعين سنة من نهاية الحرب الاميركية في فيتنام، لا تزال آثار تلك الحرب القذرة بادية للعيان لتؤكد أن الحروب لا تنتهي.

يخيل للمرء وهو يتماهى مع صدمته برسوخ تلك الآثار وعدم استجابتها لضغوط الزمن أن القوة الاميركية كانت قد شنت تلك الحرب لا لشيء سوى لتجربة أنواع جديدة من الشر لا تنفع أية محاولة للنسيان على محوها.

إنها الحرب التي تظل قائمة إلى أمد طويل، ماكنتها تظل تعمل، بالرغم من أن المشاهد الخارجية لا تدل على الاطلاق على مظاهرها العسكرية، فلا جنود ولا خنادق ولا طائرات حربية ولا دبابات ولا زحف مريباً على الارض ولا قصف من الجو ولا منازل مهدومة ولا بشر مشردين ولا صورة لتلك الطفلة العارية التي تركض بهلع أمام بنادق الجنود الأميركان المصوبة إليها ولا وجود لسايغون التي شهدت الهزيمة المدوية لآلة الحرب الاميركية. غير أن الحرب لا تزال مقيمة تحت جلود الفيتناميين، ممن عاشوا أهوالها وممن ولدوا مشوهين بسببها.

كانت الولايات المتحدة قد بدأت حربها تلك عام 1961 باستعمال الاسلحة الكيماوية فكانت هناك أعمدة برتقالية تصعد إلى السماء في أثر كل عملية قصف. كان ألم الفيتناميين قد أتخذ يومها من البرتقالي لونا مميزا له.

عام 2004 كان سكان مدينة الفلوجة العراقية يشمون رائحة الثوم كلما قصفت القوات الاميركية مدينتهم بالفسفور الأبيض. وهو ما يؤكد ولع علماء الشر الاميركي بالالوان والروائح. ذلك الولع الذي يكشف عن رغبتهم في انتاج أنواع جديدة من الموت، تُسجل بأسمائهم في التاريخ، هناك حيث يفقد النسيان أدواته التي يمارس من خلالها سلطته.

كانت قنابل النابالم هي عنوان تلك المرحلة القاسية وكان الحديث عن الاسلحة المحرمة كما لو أنه يجد أن من حق الفيتناميين أن يموتوا بالأسلحة التقليدية، لا بالاسلحة غير التقليدية، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة كانت تدان جماهيريا لأنها تأمر قواتها باستعمال الاسلحة المحرمة.

شيء كثير من التهريج الاعلامي كان يهدف إلى التضليل والعبث بالمبادئ التي تحرم القتل والتي تدين تلك الحرب، كونها فعلا محرما.

فمن غير اللون البرتقالي هل كانت حرب فيتنام محتملة؟

من غير رائحة الثوم هل كان سكان الفلوجة يهنأون بموت أكثر سعادة؟

ما نحاول دائما أن نتناساه أن الحرب لا تنتمي إلى الماضي إلا في حدود زمن وقوعها، اما في جوهرها فإنها محاول لئيمة وخبيثة لصناعة المستقبل.

لقد اختار الاميركان أن يضفوا على مستقبل فيتنام الهالة البرتقالية فيما اختاروا أن يكون مستقبل الفلوجة متبلاً بالثوم، وفي الحالين لن يكون للأجنة في بطون أمهاتها خيار في الافلات من مستقبل الماضي الذي صنعته حروب لم يعشوا واقعها، بقدر ما صار عليهم أن يكونوا جزءا من القوت الذي يتغذى عليه خيالها.

خيال الحرب هو جوهر شرها.

يتذكر الفيتناميون الحرب لا من خلال مشاهدها التي لم يرها كثيرون منهم بل من خلال حشود الذين ولدوا بعدها مشوهين، معاقين بسبب هوائها الذي لا يزال يتجول بسمومه بين الخلايا.

واقعيا كانت أميركا قد هزمت على الأرض، غير أن خيال شر حربها كان قد انتصر علينا. لا يزال هناك ضحايا لتلك الحرب القذرة. وهو ما يطمح إلى تحقيقه مجرمو الحروب وعلماء مختبراتها.

فالألم إن جاء برتقاليا أو بنكهة الثوم هو الذي يهب الشر سعادته. إنها سعادة المجرم الذي يسمع وهو في السجن أخبارا عن استمراره في ارتكاب جرائمه، فرحا بشبحه الذي لا أحد يقوى على الامساك به.

وهو ما تفعله قوة الشر الاميركية. فهي حين تمر بأرض لا تغادرها إلا بعد أن تترك أشباحها مقيمة هناك.

من فيتنام إلى العراق لا تزال أشباح أميركا تمارس القتل.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
المزيد

 
>>