First Published: 2015-05-13

صراع المال والإعلام في مصر

 

لوبي رجال الأعمال في مصر، يحاول فرض سطوته السياسية بوضع العثرات أمام النظام للحيلولة دون استقراره، مسخراً ما لديه من وسائل إعلام مؤثرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المراقب للمشهد السياسي في مصر خلال الفترة الماضية، يلاحظ على الفور أن هناك معركة شرسة، يخوضها عدد من رجال الأعمال لفرض سطوتهم السياسية، باستخدام عدد من وسائل الإعلام المملوكة لهم، ومحاولة تمهيد الأرض لواقع يستوعب طموحاتهم في المستقبل، وإصرار على إزاحة كل من يقف عائقا أمام هذا الطريق.

المعركة بدأت تتضح مظاهرها عبر مجموعة من التصرفات، تصاعدت وتيرتها مؤخرا، وخرجت من طور الخفاء إلى العلن، فهناك تصميم من قبل بعض رجال الأعمال على أن يكون لهم حصة تمثل نصيب الأسد في البرلمان المقبل، وجرت عملية ضخ أموال طائلة لاستمالة الناخبين، واقناع عدد من الوجوه التى تتوافر لها حظوظ في النجاح إلى صفوفهم، ووصل الأمر إلى حد تحديد تسعيرة مادية لهؤلاء وهؤلاء.

الحرب بدأت تستكمل حلقاتها بالاتجاه إلى تضييق الخناق على القوى الحزبية المنافسة، بتخريب الكيانات والأحزاب من الداخل، وتوسيع نطاق الخلاف، بالهجوم على قياداتها، وتحريض وسائل الإعلام التابعة لهم (رجال الأعمال) بشن هجوم حاد على قيادات، ورفع شأن أخرى، حتى تصل المسألة إلى درجة الصدام والارتباك العام، الذي يساهم في التفكيك الداخلي.

تجليات هذه الحرب ظهرت في حزب الوفد أخيرا، وتكاد تقضي على أهم حزب ليبرالي في تاريخ مصر، بسبب الطموحات الشخصية للبعض، والتي جعلتهم ينقلبون على رئيسه الدكتور سيد البدوي، ويدخل الحزب دوامة مؤلمة من الصراعات، يمكن أن تسمح في النهاية بالانقضاض عليها.

حالة الوفد واحدة من الحالات البسيطة، لكن الأخطر منها أن لوبي رجال الأعمال، يتعمد خلط الأوراق ووضع العثرات وإثارة البلبلة، لأنه يقلق من الاستقرار التام للأوضاع، وبدأ أنصار هذا اللوبي في تسخير ما لديه من وسائل إعلام مؤثرة، وتوظيف عدد من مقدمي البرامج الذين يعملون معهم في الخندق.

الخطورة أن الظاهرة وصلت إلى وضع العصي بين العجلات السياسية، والرغبة في عرقلة تقدم نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، وهو عكس ما يبدو للناس، فالمحاولات اتسعت وأصبحت ترمي إلى اشغال النظام بمعارك جانبية، حتى لا يفيق ويلتفت إلى تجاوزات بعض رجال الأعمال في عصور سابقة.

خذ مثلاً تعمد إحدى الصحف المملوكة لتحالف من رجال الأعمال، نشر حوار مع حسين سالم رجل الأعمال المصري الهارب في اسبانيا، في اليوم نفسه الذي كان سيزور فيه السيسي مدريد، ومعروف أن هناك سلسلة من الاتهامات الخطيرة تلاحق الرجل، الذي يعد أحد رجالات نظام حسني مبارك، ويسعى منذ فترة لعمل تسوية مادية لمشاكله مع الدولة، وقد نشرت الصحيفة الحوار على مدار يومين وأفردت له مساحة لافتة، للإيحاء أن السيسي سيلتقي الرجل في مدريد ويعقد معه صفقة ما، وتوصيل رسالة خاطئة للرأي العام أن الرئيس الحالي امتداد لنظام مبارك.

مضمون الحوار وتوقيته ورسائله، كلها علامات ليست في مصلحة الرئيس المصري، لكن في صالح من وقفوا خلفه، خاصة أن الحوار تضمن إشارات بأن سالم كان يعمل بتوجيه من المخابرات المصرية، وهنا الطامة الكبرى لعملية البلبلة المقصود من ورائها المزيد من الشوشرة السياسية والأمنية.

في التوقيت نفسه تقريباً، نشرت الصحيفة ذاتها موضوعاً موسعاً عن مشاكل العمالة المصرية في اليونان، عندما كان الرئيس السيسي يلتقي نظيريه اليوناني والقبرصي، وهي علامة أخرى واضحة تهدف إلى إزعاج الدول التي لدى مصر علاقات جيدة معها الآن، وتكسير في عظم السياسة الخارجية، التي نجحت القاهرة في تصويب عدد كبير من مساراتها الخاطئة خلال الفترة الماضية، وغضب اليونان يعني التأثير سلباً على المشروعات التي تعول عليها مصر في البحر المتوسط، ويعني نصراً سياسياً لتركياً.

خذ أيضاً الحملة التي تشنها صحف خاصة، مملوكة لبعض من رجال الأعمال الذين لديهم طموحات سياسية، وتحيط بهم شبهات التربح بطرق غير مشروعة، حيث تعمدت نشر موضوعات تحمل هجوماً على السودان، الذي تحسنت علاقاته مع مصر، ويقوم بدور مهم في عملية ضبط الحدود، ومنع تهريب الأسلحة والمجرمين، وساعد في ترطيب الأجواء مع أثيوبيا، لذلك فالهجوم المفجيئ على الرئيس عمر البشير من قبل كتاب معروفين بعلاقاتهم الوطيدة من رجال أعمال، ينطوي على رغبة في استفزاز الصحف السودانية للهجوم على الرئيس المصري.

هذا التطويق وملامحه الخارجية، يريد أصحابه تخريب ما حدث من تحسن في علاقات مصر الإقليمية والدولية، خاصة أن سياسة الهجوم التي تتبناها القاهرة أحرزت نتائج جيدة مع دول مختلفة، بينها تركيا، التي اضطرت إلى تخفيف حدة لهجة التصعيد الذي درجت عليه ضد مصر، لأنها استشعرت أن القاهرة تملك الكثير من الأدوات المزعجة.

بالطبع ليس هناك اتفاق أو تواطؤ بين المنهج الذي يسير عليه بعض رجال الأعمال، وجهات خارجية مثل تركيا، لكن الحصيلة التي يمكن أن يصل إليها هذا الطريق تفضي إلى مزيد من التصعيد في الداخل، ما يحقق لبعض الدوائر الخارجية أهدافها بارتياح، لأن الطرفين يريدان عرقلة الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة المصرية، وفرملة ما حققته من نجاحات حتى الآن.

استمرار النجاح، سوف يؤدي لزيادة الثقة في النظام، الأمر الذي يقود إلى تطبيق القانون، وتحقيق الأهداف الرئيسية للثورة، خاصة في مجال العدالة الاجتماعية، وعدم التهاون مع كل من ارتكب تجاوزات في عصور سابقة أو حالية.

الرسالة التي انطوى عليها مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي بشأن امكانية الاعتماد على رجال أعمال عرب وأجانب، كانت بليغة ومؤثرة، حيث جعلت نظراءهم في مصر أشد قلقا، وفهموا منها أن الحكومة المصرية عازمة على قصقصة أجنحتهم بالتدريج، وهو ما جعلهم يختبرونها في توجيه طلب للحصول مساحات شاسعة من الأراضي في العاصمة الادارية الجديدة، الأمر الذي قوبل بالرفض، ما جعل بعضهم أكثر تصميما على استهداف النظام الحاكم وأركانه الحيوية، وتوجيه تحذيرات مباشرة ومبطنة له من خلال ما يملكونه من وسائل إعلام متعددة.

الحلقة بدأت تضيق، والمعركة اشتدت وبلغت حدا قارب على الانفجار، لأن الليونة والمرونة التي بدت عليها الحكومة المصرية، فهمها بعض رجال الأعمال على أنها عجز وفقدان للقدرة على المبادرة، بالتالي من المتوقع أن تشهد مصر قريبا سلسلة من الإجراءات ضد عدد من رجال الأعمال، ممن ارتكبوا تجاوزات معروفة، ولم يعاقبوا عليها حتى الآن.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>