First Published: 2015-05-14

الوحش الطائفي ولغة الجثث

 

صمت العراقيين على الجرائم الطائفية هو الشر بعينه؛ فحين تصمت الشعوب في مواجهة لغة القتل فإنها تعيد انتاجها، وهو ما يجعلها تساهم في صناعة المستقبل المظلم الذي ستنتهي إليه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

عادت بغداد مرة أخرى لتحصي عدد المقتولين برصاصة في الراس وبأيدٍ موثوقة من الخلف، بعد أن يتم خطفهم، من غير أن يطالب الخاطفون بفدية.

استمرار تصاعد ارقام المغدورين ينبئ بالأسوأ الذي يمكن أن يقع في الايام المقبلة بعد أن أثبت رئيس الحكومة العراقية الحالي حيدر العبادي عجزه عن التحكم بزمام ميليشيات الحشد الشعبي التي صارت تهدد بشكل علني بإسقاطه.

سيكون نوعا من التأويل الطائفي إن قلنا أن كل ذلك القتل كان يتم على أساس الهوية. لقد قتلوهم لإنهم من أتباع المذهب السني. غير أن الأسوأ يكمن في أن القتلى كانوا من النازحين من مناطق النزاع المسلح.

أما كان علينا أن نكون أكثر كرماً بما يمنعنا من القتل؟

أعتقد أن بغداد وقد صارت محمية مغولية لا تملك إلا القتل رسالة إلى ضيوفها العابرين. مزحة كئيبة من هذا النوع يمكنها أن تسلط الضوء على مستقبل شعب لم يعد يأمن على مصيره في ظل تمدد ايراني هي عبارة عن منجم للوحوش.

"لقد قتلونا"!

جملة يرددها النازحون خوفا من القتل الداعشي، فإذا بهم يواجهون القتل الممنهج نفسه في البلاد التي ينبغي أن تكون مأوى أخيرا لهم. هم عراقيون وبغداد تظل عاصمة لعراقهم الذي يفترض أن يكون وطناً ابدياً.

غير أن بغداد لم تعد كذلك، بعد أن صارت تطلب من النازح العراقي أن يكون دخوله مكفولاً من قبل أحد من ساكنيها. لقد اانتزعت بغداد من عصمتها لتكون مقرا لميليشيات طائفية لا تفهم سوى لغة القتل ولا تنظر إلى العراقي الذي ليس من شاكلتها إلا باعتباره عدواً يستحق الموت.

ولكن هل يشكل كل هذا القتل حلاً لمشكلة ما؟

في كل لحظة قتل طائفي يفقد العراقيون الشيء الكثير من قيمهم الأخلاقية، من عفة ضمائرهم، من نزاهة كرامتهم، من توازنهم العقلي، ليكونوا شعبا طارئا ومجنونا ومزورا ومصابا بعوق تاريخي لا علاج له.

فمَن هرب من القتل في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش صار عليه أن يواجه ذلك القتل في المناطق التي يُفترض أن تكون ملاذا آمنا له.

مَن لم يُقتل على أيدي المغول التقليديين صارت أيادي المغول الجدد تسلمه إلى الموت بطمأنينة زائفة. أية بلاد هذه التي تسمح لوحوش الطوائف أن تمحو قدرتها على أن تضمن لأبنائها الحد الأدنى من حق البقاء أحياء؟

ولأن الوحوش الطائفية كائنات غير عاقلة وهي بالتأكيد لا تنتمي إلى سلالة الإنسان العاقل فإنها لا ترى خطرا في إنتشار لغة القتل، فتلك اللغة هي اللغة الوحيدة التي تعرفها، وهي لا تجد غضاضة إن عوملت بالطريقة نفسها.بل هي في تقف دائما جاهزة في انتظار القتل الذي ينال منها.

ولهذا تتشابه كل الجماعات الدينية المسلحة في خطابها العقائدي الذي يقدم الموت على الحياة. وهي تعرف جيدا أن الموت التي تقدمه إلى الآخرين لابد أن يرتد عليها وما ما، وقد لا يكون ذلك الموت بعيدا.

ولكن إذا كان ذلك شأن الجماعات التي قررت أن تحرم الناس من فكرة أن يكونوا مواطنين أسوياء في بلاد تضمهم بجناحيها متساوين في ظل سيادة القانون، ما بال الناس تظل صامتة فيما القتل يزدادا هذيانا وثرثرة من حولها؟

أعتقد أن صمت العراقيين اليوم هو الشر بعينه.

فحين تصمت الشعوب في مواجهة لغة القتل فإنها انما تعيد انتاج تلك اللغة عن طريق صمتها. وهو ما يجعلها تساهم في صناعة المستقبل المظلم الذي ستنتهي إليه.

مَن يسكت على القتل إنما يحفر قبره بيديه. وهذا بالضبط ما يقوم به الشعب العراقي اليوم.

 

فاروق يوسف

الاسم سمير
الدولة بلاد العرب

السكوت على القتل والتهرب من موقف سيجر كل العرب للمهلكة

2015-05-17

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
مشردو اليوم هم سادة المستقبل
2017-05-13
ورثة العنف
2017-05-11
المزيد

 
>>