First Published: 2015-05-15

كيم الثالث بعد المئة

 

كيم الثالث وهو يصفي أعداءه مفترضا خيانتهم قبل أن يقعوا فيها لا يبتعد كثيرا عن العالم العبثي الذي صارت الجماعات الاسلاموية المسلحة تتحرك في اطاره في العالم العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

تكاد كوريا لشمالية تكون دولة منسية. لا يُعرف عنها إلا النزر اليسير من المعلومات التي لا تسر، فهي كيان سياسي مغلق على نفسه يُقاد بطريقة عائلية غلفت بعقيدة شيوعية انقرض تأثيرها منذ عقود. ويكاد أحد لا يهتم كثيرا بتلك الدولة التي هي النصف الشمالي من كوريا التي ذهب نصفها الجنوبي بعد حرب مأساوية إلى أحضان ما كان يُسمى بالامبريالية الاميركية وصار عنوانا للتقدم التقني.

كان كيم إل سونغ وهو جد كيم الذي يحكم الآن وأب كيم الذي حكم قبل الحفيد وهومؤسس السلالة الكيمية في كوريا رجلا مهووسا بنفسه، ملهما بعقبريته الاستثنائية ومؤمنا بالمعجزات التي اجترحتها أمه على سبيل المثال. لقد صنع اسطورته على اساس خرافات، كان يجب على الشعب أن يصدقها، فهي جزء من ماض ديني لم يتعب الشيوعيون كثيرا بالانحراف به عن طابعه الغيبي إلا في حدود ما يتعلق بشخص القائد الملهم الذي لا يُمس، والذي هو في مكانة تعصمه من ارتكاب الخطأ.

لقد أنشأ الكيميون دولة دينية من طراز خاص، قسوة النظام فيها انما تعبر عن عدالة مطلقة لا تتسق مع القوانين الارضية المتبعة فلها قوانينها غير المدونة. فحين يُعدم وزير الدفاع بتهمة الخيانة العظمى لأن النوم كان قد غلبه أثناء استعراض عسكري كان كيم الآخير حاضرا فيه، فإن ذلك الحدث المأساوي لا يمكن اخضاعه لمحاولة التفسير من أجل فهمه.

هل يحتاج النظام الديني إلى المنطق لكي تكون قراراته مبرَرة ومفهوومة؟ السؤال الاهم لمَن يفسر ذلك النظام قراراته وهو الذي لا يقيم وزنا للشعب الذي يحكمه؟

كان الخميني قد أعدم الالاف من معارضي نظامه "الالهي" من غير محاكمة، بل أنه حين سمع بإن منظمات حقوق الإنسان الدولية قد عبرت عن استيائها لما كان يجري في ايران قرر أن تلغى المحاكمات الصورية التي كانت تجرى في الشارع ليتم قتل المعارضين مباشرة من قبل الحرس الثوري.

من الخطأ أن تتم عقلنة النظام الديني وجره من منطقة إبهامه اللاعقلاني.

كان الزعيم الكوري قبل سنوات قد أعدم زوج عمته، الرجل الثاني في الدولة وذهب بعدها إلى تقديم واجب العزاء الى تلك السيدة التي هي واحدة من هبات العائلة إلى الشعب.

كوريا الشمالية التي تعيش عصر ما قبل التاريخ المعاصر هي من بقايا المتحجرات العقائدية التي صار العرب المعاصرون ينبشون تاريخهم ليعثروا عليها لا لكي يضعوها في المتحف بل لكي يصنعوا منها ايقونات يهتدون بها من أجل تكريس تخلفهم وانحطاطهم وضياع قدرهم وفقر خيالهم وذهابهم إلى العدم.

كيم إل سونغ ومن بعده ابنه كيم جونغ إل ومن بعدهما الحفيد كيم جونغ إون هم رموز الزعامة العليا في كوريا وهي الزعامة التي استطاعت أن تجعل من بلد بأكمله مختبرا تقوم معادلته على ترجيح القنبلة النووية على حليب الأطفال.

معادلة لا ترى من الإنسان إلا جانبه العدواني الذي يستطيع عن طريق توحشه واخافة الآخرين وبث الرعب في اوصالهم، من غير أن يكون أصلا قادرا على الانتصار للمناعة الأصلية التي يتميز بها الإنسان حين يعيش منسجما مع الطبيعة.

وهنا بالضبط تقع واحدة من أعظم جرائم النظام الديني. فهوحين يفصل الإنسان عن الطبيعة انما يكرس الجانب الشرير فيه. ذلك الجانب الذي يرى في كل شيء يقف خارجه عدوا يستحق السحق. هذا ما صارت الجماعات الدينية المسلحة تفعله وهي مطمئنة إلى أنها تنصاع عن طريقه لإرادة المطلق.

كيم الثالث وهو يصفي أعداءه مفترضا خيانتهم قبل أن يقعوا فيها لا يبتعد كثيرا عن العالم العبثي الذي صارت الجماعات الاسلاموية المسلحة تتحرك في اطاره في العالم العربي.

فإذا كان لكوريا الشمالية كيم واحد فإن العالم العربي يهب التاريخ كل يوم "كيم" جديدا، يكون أشد توحشا وقسوة ونذالة وانحطاطا من الكيم الذي سبقه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>