First Published: 2015-05-16

المتاهة العراقية

 

العراق اليوم بلد ضائع من غير هوية، والعراقيون لن يغادروا متاهتهم إلا حين يهتدون إلى اصول هويتهم الجامعة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

"ليلة أمس نجا العراق من فتنة طائفية كادت تشتعل" يقول لك كما لو أن العراق لم يسقط بعد في مستنقع الانحطاط الطائفي. كما لو أنه لا تزال هناك مساحة فارغة لم تملأ بالكراهية في صدور العراقيين.

"ومع ذلك هناك أمل" يقول "الأمل بماذا؟" تتساءل. الامل هو الآخر يكون نوعا من العته والكذب والحماقة إذا لم يُقم على أسس صحيحة، تجعل من الشعور والتمسك به قراءة منصفة للواقع. لن يصح الأمل إلا إذا كان هناك بشر أسوياء.

الأمل هو صناعة تتطلب الكثير من الشجاعة والنزاهة والعدل.

لا يصدر الأمل من فراغ. لذلك فلا أمل للعراق في أن ينجو. نتمنى نجاته. ما من أحد إلا ويتمنى تلك النجاة. ففيها انقاذ لحياة ملايين من البشر قُدر لها أن تقع تحت مطرقة جيش من اللصوص والمحتالين والآفاقين والقتلة والمتاجرين بالدين والمتواطئين مع مقاولي الحروب ومتعهدي الصفقات الفاسدة عبر العالم، غير أن نجاته لا يمكن أن تحدث بالصدفة.

يمكن أن يكون الامل نوعا من التضليل والخداع وخلط الاوراق وتزييف الحقيقة وتشويش القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهمي.

فما لم يعمل أبناؤه على أن يعيدوه إلى سويته التاريخية فإن العراق سيستمر في انزلاقه إلى هاوية لن تبقي منه شيئا. وهنا لا يمكن التعويل على ثرواته الاسطورية في تصحيح مسيرته، ففي ظل أوضاعه الحالية فإن تلك الثروات لا يمكن أن تستعمل إلا في مجال توفير أكبر كمية ممكنة من معاول الهدم.

لقد استعملت سلطة الاحتلال والحكومات المتتالية والاحزاب المشتركة في العملية السياسية والتنظيمات والجماعات المسلحة والمؤسسة الدينية ومنظمات المجتمع المدني كل ما جادت به الطبيعة من ثروات في تكريس مشروع الفساد الاداري والمالي والاخلاقي، وهو المشروع الوحيد الذي ظهر بملامح ومعالم واضحة منذ 2003 وحتى اللحظة. وهذا ما لا ينكره العراقيون، المنتفعون منهم والمتضررون، غير أنهم وبسبب خضوع غالبيتهم لعمليات غسل الدماغ التي مورست وتمارس عليهم محليا واقليميا ودوليا يجمعون على أن هناك أملا.

وهنا بالضبط تقع الكذبة الكبرى التي انفتحت بسببها أبواب أعظم متاهة في تاريخ الشعوب، هي المتاهة العراقية التي لا يمكن الخروج منها إلا من خلال هدمها. وهو ما يعني واقعيا الغاء كل ما ترتب على الاحتلال من اجراءات والعودة بالامور إلى ما كانت عليه قبل 2003، لا من أجل اعادة النظام السابق إلى الحكم وهو امر مستحيل، بل من أجل أن تكون طرق التحول سالكة.

حينها يكون الزمن مستقرا في تتابعه. هناك ماض وحاضر وومستقبل.

ولأن تلك العودة هي الأخرى مستحيلة فإن العراقيين في كل ما يمكن أن يفعلوه لن يتقدموا خطوة واحدة في الطريق التي ستخرجهم من المتاهة. إنهم يرتجلون ويخترعون بكل النيات الحسنة التي يحملونها دروبا جديدة يزينون بها متاهتهم، وهي دروب يعرفون أنها لا تؤدي إلى الخارج، ذلك لأنهم استخرجوها من مادة المتاهة نفسها.

ما يحتاجه العراقيون فعلا أن يقبضوا على مشكلتهم ليقفوا في مواجهتها بشجاعة وتحد واستبسال وجرأة ومن غير خوف. وهم في ذلك يحتاجون إلى استرجاع القدر الذي فقدوه من وطنيتهم.

فلا الطاائفية مشكلة عراقية أصيلة. ولا موالاة ايران تدخل ضمن الحسابات العراقية. ولا الميل إلى العنف هو جزء أساس في كيمياء الشخصية العراقية. ولا البحث عن حماية أقليمية، عربية أو غير عربية يشكل هاجسا للعراقي.

في أيام الاحتلال الأولى طرح عدد من المثقفين العراقيين الذي غرر بهم مشروع الاحتلال فكرة الهوية العراقية الجامعة. كانت فكرة نبيلة بالرغم من أن البعض من مروجيها لم يكن ينظر بعين الرضا إلى انتماء العراق العروبي.

العراق اليوم بلد ضائع من غير هوية.

هويته الحقيقية هي مزيج هوياته التي كان التاريخ كريما في احتضانها.

لذلك أنا على يقين أن العراقيين لن يغادروا متاهتهم إلا حين يهتدون إلى اصول هويتهم الجامعة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
بريطاني نعم عراقي لا
2017-08-09
حزب الله من المقاومة إلى المقاولات
2017-08-08
سياسة إيران الرثة وسباق التسلح
2017-08-07
المزيد

 
>>