First Published: 2015-05-17

درس إعلامي غرافيتي باهر

 

الفكرة التلفزيونية حولت 10 داوينغ ستريت وقاعة البرلمان البريطاني إلى صور افتراضية تتحرك على جدرانها مخططات وأرقام تمنح المشاهد صورة حسابية عن فرز الأصوات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الديناصور الفاتن

لن يقلل رأي اليستر كامبل كبير السحرة في معبد الإعلام الذي وصف التغطية الصحفية للانتخابات العامة البريطانية بـ”ما وراء المحاكاة الساخرة”، من الدرس الصحفي الباهر الذي قدمته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وخصوصا ليلة فرز الأصوات.

كامبل الذي انتقد المذيعين على الشاشات البريطانية قبل وبعد إجراء الانتخابات، ينظر إليه على أنه من لعب دورا رئيسيا في مساعدة حزب العمال على العودة إلى السلطة بعد انتخابات عام 1997، وأصبح في زمن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير كبير المتحدثين باسمه، والمنسق الرئيس بين الحكومة ووسائل الإعلام.

إلا أن الانتقاد مهما كان مصدره لا يقلل من الدرس الإعلامي الباهر الذي قدمه التلفزيون وتابعه 4.3 ملايين مشاهد في ليلة واحدة على “بي بي سي”، وأرى من الأهمية بمكان أن يخضع إلى تحليل المتابعين الإعلاميين العرب للاستفادة منه في تجاربنا “الانتخابية الخجولة”.

مذيع مثل ديفيد ديمبلبي (76 عاما) لا يشعر بالحرج وهو يتلقى تسمية “الديناصور الفاتن” بعد استمراره أكثر من ربع قرن في التقديم من شاشة هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، بل إنه الوجه الذي يستمر على مدار 18 ساعة متواصلة لنقل نتائج الانتخابات البريطانية منذ عام 1979.

وكان ليلة الجمعة قبل الماضية حيويا بما يكفي وهو يتنقل بين أماكن “غرافيتية” أبهرتنا.

ببساطة كان ثمة فكرة صنعتها التكنولوجيا، لكن بحس صحفي إبداعي مقنع للمشاهد، عندما تحول الشارع قبالة 10 داوينغ ستريت ومبنى البث “برود كاستنغ هاوس” وحتى قاعة البرلمان البريطاني، إلى صور واقعية تتحرك على أرضيتها وعلى جدرانها مخططات وخرائط وأرقام وأعمدة ملونة تمنح المشاهد صورة حسابية عما يحدث فعلا بين لحظة وأخرى عن فرز الأصوات والاحتمالات القائمة.

كان “الديناصور الفاتن” يستمع إلى ضيوفه في الأستوديو ويمنح المشاهد فرصة أخرى للاستماع إلى ضيوف آخرين في أستوديو آخر، ويتنقل بين المراسلين في مراكز فرز الأصوات، ومن ثم يعود إلى تكنولوجيا الغراف التي منحت المشاهد فرصة واقعية وافتراضية في آن واحد.

لنا أن نتخيل إدخال مراسل في داخل صورة ثلاثية الأبعاد لمبنى البرلمان البريطاني تبدو وكأنها حقيقية، ويتحرك على الأرضية الفاصلة بين أعضاء الحكومة والمعارضة ويرسم مخططات وخرائط عما ستؤول له نتيجة الانتخابات في أعرق مبنى ديمقراطي في العالم.

ولنا أن نتخيل الحس الإعلامي المتميز في التقرب من المشاهد عندما تم تحويل أعلى جدار خارجي لمبنى هيئة الإذاعة البريطانية إلى أشبه بخارطة رياضية لنسبة الأصوات في صورة ثلاثية الأبعاد تجمع الواقعي بالتشكيلي.

مثل هذا العمل الصحفي يصبح مشوقا إلى الحد الذي يجعل 4.3 ملايين مشاهد مشدودين إلى شاشة التلفاز حتى ساعات الفجر الأولى لمتابعة ليس الحدث! لأنه ببساطة ستعلن نتائجه صباح اليوم التالي، بل لمتابعة ما صنعته العقلية الإعلامية المتفوقة من تداعيات الحدث.

الانتخابات في حد ذاتها لم تكن حدثا عند التغطية التلفزيونية، بل ما يترتب عليها من افتراضات كانت مصنع الحدث عبر صور افتراضية امتزجت بالواقعية صنعتها تكنولوجيا التلفزيون والفكرة الصحفية الثاقبة.

اذا كان سلوك القراء قد تغير وأدخل الصحافة في أزمة مرضية، فعين المشاهد أيضا لم تعد تقبل الصور المحنطة لتلفزيون الوجوه المتقابلة، أو تلفزيون تتصرف فيه الكاميرا بعقلية الراديو. كذلك كانت التغطية الباهرة لـ”بي بي سي” لليلة انتخابية يمكن أن توصف بالخط المتقدم في مستقبل صناعة تلفزيونية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

من يقدم الدرس الاعلامي ياميدل ايست خبيركم الاعلامي كرم نعمة ان بي بي سي لسان حال العم ناجي والمخابرات البريطانية

2015-05-17

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
الحكومات لا تبالي بشمس جهنم
2017-08-08
الإقلاع عن فيسبوك كالإقلاع عن التدخين
2017-08-06
نادية نجمة بريطانية
2017-08-01
صحافة تهتف مع المشجعين
2017-07-30
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
المزيد

 
>>