First Published: 2015-05-20

محلة أبي حنيفة..وثأر الكاظم!

 

هناك من يبرر جريمة الأعظمية بجرائم التفجيرات في المواكب الحسينية والمحلات الشيعية! فهل سلمت المناطق السنية من مجازر 'داعش' وتفجيرات 'القاعدة'؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

ما يجري ببغداد من هياج طائفي، باستغلال المناسبات الدينية، غير منفصل عن انفلات حرية الثقافة الدينية والمذهبية، عبر منابر لا يعترضها قانون ولا عُرف، تغدي الشباب بخطاب رث موضوعه الثأر، جماعات خطفت بعصبتها، ومن يسندها من مسلحين وأحزاب، المذهبَ الشيعي، حتى بات غير الموافق لها موضع اتهام، والحال نفسه مع الجماعات السُّنية الطائفية، عابثون يخطفون طائفة بأكملها.

قبل ثلاث سنوات (أكتوبر 2013) اجتاح شبابٌ محلةَ الأعظمية، يسبون الماضين ويهددون الحاضرين، يقودهم مدرس حكومي، أخذ يظهر في الفضائيات كأنه نجم عالمي، تجري معه المقابلات وتبث اتصالاته الهاتفية التي أجراها لتثبيت عقيدته في السّب، وعندما سُئل أجاب: أنه يمارس حريته المذهبية! والإجابة غير مستغربة لتجاوز الحرية الدينية حدود العبادات والمعاملات.

لقد ملأ هذا الشاب دماغه بعاطفة الكراهية من المنابر، بما لا يقل خطورة عمن ملء دماغه بقصص الجهاد الديني، والاثنان عبّرا عن عاطفة كراهية تعدت حدود التعايش. فعنده لكل إمام ملحمة قتل، يشرعن بها السب واللعن وإضرام النيران والقتل، وبما أن الأعظمية سُنية، لا يفصلها عن الكاظمية الشيعية سوى دجلة، يراها العدوَّ في مناسبة وفاة الكاظم! مرت تلك الحادثة دون عناية بعلاج أسبابها.

لذا تكررت بأبشع منها (ليلة 13/مايو/2015)، عندما تجاوزت السَّب واللعن إلى التخريب وإضرام النيران، ومحاولة العبث بعتبة مشهد أبي حنيفة، ولم يتدخل العسكريون الموجودون، خشية ممَن وراء المخربين، كميليشا متنفذة مثلا. وبقدر ما يُجرم هؤلاء السائبون من الشباب نعذرهم، لأن المسؤولية يتحملها قراء المنابر، الذين لم يجدوا ما يتحدثون به سوى الثأر من الأموات والأحياء!

هناك من يقول مبرراً جريمة الأعظمية بجرائم التفجيرات والمقاتل في المواكب الحسينية والمحلات الشيعية! ونقول: هل سلمت المناطق والعشائر السنية من مجازر "داعش" وتفجيرات واغتيالات "القاعدة" قبلها؟ إن وجود تنظيمي "داعش" و"القاعدة" التكفيريين ليس مسؤولية أهل الأعظمية أو تكريت. وهل ينسى موقف المرأة التكريتية التي عرضت حياتها وذويها للخطر من أجل إنقاذ الجنود الشيعة ضِمن ما حصل في "سبايكر" النكراء؟ جرائم مسؤولية الجماعات لا الطوائف، فلتسمى الأسماء بأسمائها.

إذا كانت المواكب تسير بذكرى مظلومية الكاظم (ت 183هـ)، وتتجدد خلالها مشاعر الثَّأر، وفق ما حدث بالأعظمية، فهل ترون أن دفينها أبو حنيفة (ت 150هـ) لم تجر عليه مظلومية، وقبل الكاظم بثلاثين عاماً، والفاعل سلطة زمانهما، كانت تهمته إسناد إحدى الثورات الزيدية، ثورة إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى (قُتل145هـ)، فكيف يمر التاريخ ليتحول الإمام أبو حنيفة إلى عدو لدود للإمام الكاظم؟ ألم تحاول "القاعدة" العبث بضريحه مِن قبل؟ وما الفرق بين الجماعتين؟ كراهية تسفر عن قتل.

يا سادة مَن يُحاسب على مظلومية الكاظم ليس أبا حنيفة ولا الأعظمية، إنما ابن أخيه، فإذا كنتم تجذبون الأتباع بالروايات، وتحفرون في رؤوسهم الضغينة بحوادث قد مضت، فعليكم عدم إهمال ذلك. لقد أتى الأديب والمؤرخ الأصفهاني (ت 356هـ) على سبب سجن الإمام، بأن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق أتى الرشيد وأبلغه: "يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض؛ موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج، وأنت بالعراق يجبى لك الخراج" (مقاتل الطالبيين، والنوبختي، فرق الشيعة، حاشية بحر العلوم). أقول: هل كان الرشيد (ت 193هـ) غير مستبد، كي لا يأخذ بوشاية ابن أخي الكاظم بعمه؟ وأي سلطان لا يحسب لمصدر هذه الوشاية ألف حساب؟ إن قراءة التاريخ لها وجوه، لا يكفي وجه واحد يرسم حياتنا على مدى الأزمنة.

عموماً، مما يخفف ذلك الحادث موقف رئيس الوزراء الذي سارع وتفقد الأعظمية، ووصف الفعلة: "كما هم داعش"، ووصفهم وزير الداخلية بـ"المجرمين"، وزار وزير الدفاع الأعظمية والكاظمية معاً، وصرح رئيس البرلمان: "اليد التي تتجاوز على القانون تقطع"، والحل جاء بطلب رئيس الجمهورية الرد على الجريمة بانطلاق المصالحة.

ما زلت أرى في العبادي وحكومته، وبوجود رئيس جمهورية طيب الطوية يسعى للوئام، حلا، لكني أرى أن وجود الميليشيات يُفسد كل الجهود، يشد في عضد الجماعات العابثة بقدر ما يفت في عضد الدولة، نرى في حل الميليشيات: تحقيق هيبة الدولة، فمَن بيده السلاح يهزأ بالقانون، وعندها يحصل التضامن لهزيمة الإرهاب.

أما ثأر الإمام فيؤخذ بالإعمار ودولة المواطنة. وأقول: ما لمحلة أبي حنيفة ومظلومية موسى الكاظم، كي يُظلم الناس بإضرام النيران في دورهم؟

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
جلال الطالباني.. وغرائب العراق
2017-10-18
موسكو والرياض.. اليوم غير الأمس
2017-10-11
لا أربلا كردية ولا بابل شيعية
2017-10-04
الرايات العقائدية عابرة للأوطان
2017-09-27
البارزانية.. مكانٌ أم عشيرةٌ؟
2017-09-20
«حزب الله» و«داعش».. عودة «الحُميْمة»!
2017-09-08
النّساء.. الاستجابة لـ«زمن الضَّروة»؟!
2017-08-30
تجديد الفكر الإسلامي.. أم تدويره؟
2017-08-23
الفكر الإسلامي.. نتاج أزمنة وظروف
2017-08-17
عِمامة الصَّدر إلى السُّعودية.. ليست الأُولى
2017-08-09
المزيد

 
>>