First Published: 2015-05-21

في العراق الزيف هو الحقيقة الوحيدة

 

انهيار الجيش العراقي المتوقع دائماً هو انعكاس طبيعي لانهيار الدولة التي تقودها حكومة ضعيفة لم تجد بداً من الاستنجاد بالميليشيات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما معنى أن تفر القطعات العسكرية العراقية أمام تنظيم داعش قبل أن تبدأ المعركة، تاركة اسلحتها ومعداتها وعرباتها لاميركية الحديثة هبة لمقاتلي التنظيم؟

حدث ذلك في الرمادي قبل ايام فسقطت عاصمة الغرب العراقي وهو ما حدث تماما في الموصل في حزيران الماضي. في الوقت نفسه فإن طائرات عراقية القت قبل أيام عن طريق الخطأ كما يُقال بأطعمة وأسلحة إلى الارهابيين الذين يحاصرون في مصفى بيجي عشرات الجنود العراقيين الذين لم يهب لنجدتهم أحد.

لقد تُرك أولئك الجنود المحاصرون لمصير مجهول.

وهو درس بليغ تعلم منه الجنود الآخرون حكمة الهروب من أرض معركة، هم على يقين من أن أحداً لن يسندهم فيها إذا ما حوصروا أو ضعفت دفاعاتهم. فالحكومة التي وقعت في فخ ارتجال الخطط العسكرية التي تنتهي بالفشل دائما هي عاجزة عن السيطرة على طرق الامداد وهي لا تملك ما يكفي من الخبراء للتفكير في حلول عسكرية بديلة.

في ظل هذا النوع من الشعور العام بالاحباط كان من الطبيعي ألا يثق الجنود بضباطهم وألا يثق الضباط بقادتهم وأن لا يثق القادة بالقيادة العامة للقوات المسلحة المتمثلة برئيس الحكومة الذي قد يشهر افلاسه السياسي في أية لحظة، وهو ما ينتظره زعماء الميليشيات الذين صاروا على يقين من أنهم سيكونون سادة المرحلة المقبلة.

انهيار الجيش العراقي المتوقع دائماً هو انعكاس طبيعي لانهيار الدولة التي تقودها حكومة ضعيفة لم تجد بدا من الاستنجاد بالميليشيات بعد أن كانت قد قررت في وقت سابق أن تمنع تلك الميليشيات من الاقتراب من مناطق النزاع استجابة لمطالب سكان تلك المناطق الذين لا يرغبون في أن تُنتهك مدنهم مثلما حدث لتكريت في وقت سابق.

ولكن هناك من يظن أن هروب قطعات الجيش كان مخططاً له من أجل أن تُهزم حكومة بغداد وتنزع الميليشيات عن الدولة هيبتها بشكل نهائي.

شيء من هذا القبيل يمكن توقع حدوثه في بلد تعمه الفوضى وينخره الفساد.

فالجيش الذي تم تلفيقه على عجل هو في حقيقته ليس جيشا بالمعنى الذي يجعل أفراده مؤهلين للصمود ومستعدين للتضحية من أجل الوطن. "أي وطن؟" يمكن لأحدهم أن يتساءل وهو ينصت إلى الأصوات المتشنجة االتي تدعو إلى فك الارتباط بالعراق التاريخي.

كما أن ولاء ذلك الجيش للدولة مشكوك فيه، في ظل تعبئة طائفية تصاعدت وتيرتها بعد هزيمة الموصل التي كشفت عن هزال ورثاثة المشروع السياسي القائم على مبدأ المحاصصة والذي كان ولا يزال بمثابة غطاء لماكنة الفساد التي التهمت ثروات العراق بطريقة احترافية وسلمت شعبه للجهل والفقر والخوف والأمية والقتل وسدت طرق الخلاص أمامه.

لقد أثبتت الوقائع أن الجيش الذي أنفقت عليه المليارات في اعداده وتدريبه وتسليحه ما هو إلا واحدة من أكاذيب العراق الجديد، وهو العراق الذي أريد له أن يكون بديلا للعراق التاريخي، وهو العراق نفسه الذي ينافس سياسيوه زعماء ميليشياته في اذلاله وتقزيمه وتهميشه واستخراج مواقع قبحه وهشاشته وتدمير سبل العيش فيه.

لربما كانوا في كل ما فعلوه وما يفعلونه انما يرغبون في الافصاح عن فكرتهم البائسة التي يمكن تلخيصها في جملة واحدة "العراق كذبة". وهي الجملة الاولى التي روج لها مثقفو الاحتلال من العراقيين، يوم صاروا ينظرون لمسألة الولايات العثمانية التي لفق بها الاساتعمار البريطاني بلدا.

في بيئة ثقافية يحكمها الزيف من كل جانب، هل يمكننا أن نراهن على ما يمكن أن يكون حقيقيا؟

سيكون علينا والحالة هذه أن ننظر بعين الشك إلى ما يجري في العراق. وهو بالضبط ما تفعله الاطراف المتورطة في صناعة المشهد العراقي كلها. فلا أحد يثق بأحد ولا أحد مطمئن إلى مستقبله ولا أحد يفهم لغة الآخر.

العراق بلد تحكمه العصابات وسيبقى كذلك ما لم يسترجع شعبه حقيقته التاريخية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
ما الحل؟
2017-04-12
لو لم يكن هناك مسيحيون
2017-04-11
المزيد

 
>>