First Published: 2015-05-21

الحاضنة المصرية للأزمات العربية

 

القاهرة يمكن أن تشكل ملتقى بين كافة الفرقاء في المنطقة وأن تساهم في تسوية متوازنة، تضمن عدم الانجراف لطرف على حساب وحدة الدول العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

التحركات التي تشهدها مصر الآن على مستوى أكثر من أزمة عربية، ذكرتني بعبارة مهمة قالها سفير دولة كبرى في القاهرة، وهي "لو أن مصر بعافيتها السياسية، لما وصلت الأزمة السورية إلى هذا التدهور"، حيث تزامن تصاعد حدة الأزمات مع تزايد المشكلات في مصر.

بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع العبارة السابقة، لكنها موحية على أهمية الدور الذي تلعبه مصر في المنطقة العربية، وقدرتها على ضبط موازين بعض القضايا، التي تكالبت عليها قوى من داخل المنطقة وخارجها، وأدت إلى اشتعال أزمات، كان من الممكن اطفاء عدد منها، أو على الأقل تخفيف الخسائر التي أفضت إليها، لو أن مصر كانت أكثر تماسكا مما بدت عليه وقت اندلاعها، فقد تواكبت الثورة السورية مثلا، مع محاولات لملمة الجراح التي تكاثرت مع ثورة 25 يناير، وما تلاها من تداعيات سياسية وأمنية.

عندما بدأت مصر تسترد روحها الحضارية وتتجاوز مجموعة معتبرة من المشكلات، بدأت أيضا تسترد أنفاسها على صعيد الاهتمام بعدد من الأزمات العربية، وخلال الفترة الماضية كانت غالبية التصورات والتصرفات السياسية تسير في خطوط متوازية، ففي الوقت الذي كانت هناك تحركات لضبط البوصلة الإقليمية والدولية نحو مصر، كانت هناك جهود لتخفيف التوترات التي تهدد الأمن القومي العربي، ومقاربات مختلفة تتم دراستها للدفاع عنه، وتأكيدات بعدم التفريط في مقدراته، لصالح أي من القوى الطامعة في السيطرة عليها.

الأسابيع الماضية، شهدت مجموعة من اللقاءات والحوارات والمناقشات في القاهرة، بشأن بعض الأزمات العربية الساخنة، أوحت لكثيرين أن مصر فعلا على وشك أن تعود لها العافية كاملة، وأن هناك رغبة قوية من قبل جهات عربية لطلب المساعدة عمليا، وفي هذه اللحظة لا تملك رفاهية الاختيار بين استمرار الانكفاء، والامساك بدفة المركب العربي قبل غرقه تماما، فالأحداث الدرامية تتوالى، والتطورات المفاجئة تتعاظم، بصورة لا أحد يعلم حجم الغموض الذي يكتنفها، لذلك لم يكن أمامها سوى الاستجابة، وعدم التخلف عن نداءات الواجب العربي، لتسهيل أدوات الحلول السياسية في عدد من الأزمات المستعصية.

معالم هذا الاتجاه ظهرت بجلاء في ثلاث قضايا، أصبحت تمثل جوهر الأزمات في المنطقة، من حيث التشابكات والتعقيدات والانعكسات، فضلا عن الأهداف المريبة، فكانت زيارة إسماعيل ولد الشيخ مبعوث الأمم المتحدة لليمن بمثابة اعتراف بأهمية الدور المصري في تسهيل الطريق للتسوية السياسية للأزمة، قبل انعقاد مؤتمر جنيف أواخر الشهر الجاري، كما أن اللقاءات التي عقدتها قوى يمينة مع المبعوث الأممي أو بدونه، كشفت عن رغبة في زيادة هامش الحركة أمام الدور السياسي لمصر، كضامن نزيه للحوار المتعثر في اليمن.

إذا كانت زيادة مساحة الدور السياسي محكومة بتوازنات إقليمية دقيقة، فإن المؤشرات التي ظهرت خلال الأيام الماضية، أكدت أنه لم تعد هناك فرصة لتجاوزه، ليس فقط للثقل الإقليمي والمكانة التاريخية، لكن لأن مصر لا تزال طرفاً نزيهاً ومقبولاً من معظم القوى اليمينة، ويمكن الوثوق فيه، بسبب عدم امتلاك أجندات خفية، والقدرة على احتواء احتقانات ومرارات يمنية نحو قوى إقليمية، تريد ترتيب الأوضاع وفقا لمصالحها، بالتالي من المتوقع أن يتزايد دور مصر كلاعب سياسي أساسي، يمكنه ضبط بعض أوجه الخلل الذي ينجم عن انحراف تصورات آخرين.

هذه الميزة، فرضت على كثير من القوى الليبية أيضا عدم تجاوز دور مصر، فقد عقدت لقاءات واجتماعات في أماكن مختلفة، في سويسرا والجزائر والمغرب وتونس وليبيا، ولم تتقدم التسوية السياسية قيد أنملة، ولم يحرز الحوار الوطني هدفا يمكن البناء عليه، وبدت دول كثيرة غير عابئة بالرؤية المصرية، بل سعت إلى اقصائها وتغييبها عن عمد، وعندما أخفقت جولات الحوار، تم اللجوء إلى القبائل الليبية كمدخل للمساهمة في تخفيف حدة الأزمة.

ومن المنتظر أن تستضيف القاهرة الملتقى الثاني للقبائل الليبية يوم 25 مايو الجاري، والذي يؤكد على أهمية التفكير خارج الصندوق، وصعوبة تجاوز دور مصر في أي طرح سياسي بخصوص ليبيا، وأن هذا المؤتمر من الممكن أن يكون نواة حقيقية للحل، بعيدا عن الشعارات والمزايدات التي جعلت هذه الدولة واحدة من بؤر الإرهاب الرئيسية في العالم.

الموقف في الأزمة السورية، ربما يفوق في التعقيدات كل من الأزمة في اليمن وليبيا، كما أن تفاصيل التقديرات المصرية لا تختلف كثيرا عنهما، ومر التعامل معها بثلاث مراحل أساسية، ابتعاد ثم تردد وأخيرا اقتراب حذر، الأمر الذي جاءت معالمه الظاهرة عبر قناة المعارضة السورية، والتي تستعد القاهرة لاستضافة اجتماعها الثاني في شهر يونيو المقبل، وهو دليل آخر على ضرورة الحاضنة المصرية للأزمات العربية، ليتسنى المساهمة في تسوية متوازنة، تضمن عدم الانجراف لطرف على حساب وحدة الدولة السورية.

لتكون التدخلات أكثر جدوى ونفعا، من المهم أن يتم بلورة مشروع مصري- عربي، يملك رؤية واضحة ومحددة، للتعامل مع الأزمات المحتدمة، وفقا لأولوية تراعي طبيعة كل أزمة، والحساسيات التقليدية الحاكمة لها، واختلاف وجهات النظر داخل الفريق الواحد، لقطع الطريق على المشروعات الأخرى المعلنة والخفية، من جانب تركيا وإيران وإسرائيل، والتي استفادت من الغياب المصري، ونجحت في سد الفراغ الذي نجم عنه، وأصبحت لها يد طولى في كثير من الأزمات، وتستطيع أن تؤثر بقوة في اتجاهاتها، بشكل جعل معظمها عصيا عن الحل، بدون إرادتها.

من جهة ثانية، تبدو سياسة المشي على الأشواك، التي أشرت إليها في مقالي السابق، مفهومة نسبيا، لكن لن تمكن مصر من القيام بالواجبات الإقليمية المطلوبة، أو تؤكد دورها كفاعل محوري في عدد من الأزمات العربية، قبل أن تتخلى عن الخجل السياسي، وتخفف من إشارات جس النبض، وتبعث برسائل مباشرة في جميع الأزمات، لأنها متداخلة بصورة كبيرة، وعلينا تقديم طرح معلن، حيث يتم تفسير الحذر على أنه ارتباك أو غياب رؤية، ما يعرض البلاد لمزيد من المضايقات، فقد حققت مصر نجاحات خلال الفترة الماضية، خاصة على صعيد السياسة الخارجية، عندما امتلكت زمام المبادرة في قضايا كثيرة، للدرجة التي أرهقت بعض الخصوم، وتفرغوا لملاحقة رد الفعل تجاه التحركات المصرية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>