First Published: 2015-05-24

في الخريف أكثر مما ينبغي

 

توصيف الفصول فعل إقصائي جاهز لا يعود إلى الإحساس بها، فالخريف ليس فصلا كئيبا ومملا، والصيف ليس سوى فصل للكسل والتذمر وقلة الإنتاج، فصل له رائحة الثوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أكثر أيام السنة التي تساعد المرء في التقرب من نفسه

نيسان ليس أقسى الشهور، كما يرى ت. أس. اليوت الذي يقيس الزمن بملاعق القهوة والشاي، ثمة قاص موصلي راحل عاش الخيبة في أقصى صورها اسمه حمد صالح وصف الأمر باتساق بين ذاته والفصول عندما اعتبر أن شمس تموز – والعياذ بالله – مغموسة في جهنم!

أرى أن الإنكليز يقعون في فخ الثقافة الاجتماعية السائدة عندما يبدأون حديثهم المعتاد مع من يعرفونه ومن لا يعرفونه عن الشمس والمطر وتذمرهم من الطقس الرمادي المزمن، لأنهم لولاه لما كانوا منسجمين مع قناعاتهم إلى هذا الحد.

نعم إنهم مجتمع مريض بداء السفر ليس من أجل الأراضي الدافئة كما يشاع، بل من أجل الرفاهية والاطلاع.

لولا الطقس البارد لما كان الإنكليزي بهذه الأناقة التي جعلته لا يتخلى عن “الميمات الثلاث” ميم المعطف وميم المظلة ويضاف إليهما ميم المحامي كمتطلب حياتي يوفر عليه الجهد الشاق في متابعة الأوراق والمعاملات.

الصيف اقتحم بلداننا العربية كعادته مبكرا، فيما نحن نعيش في بريطانيا سعادة طقس خريفي ملامحه الربيع! الخريف في بريطانيا لا يمت بصلة لخريف العمر الشائعة في تراكيب اللغة، لم يقترب الصيف منا في لندن بعد، وهذا مبعث سعادة لي على الأقل!

توصيف الفصول في ثقافتنا السائدة فعل إقصائي جاهز لا يعود إلى الإحساس بها، ولو فكرنا بتبعياته لاكتشفنا أن الخريف لم يكن أبدا فصلا كئيبا ومملا، بل هو أكثر أيام السنة التي تساعد المرء في التقرب من نفسه واللجوء إليها كلما ابتعد عنها تحت وطأة الحر اللاهب، والصيف ليس سوى فصل للكسل والتذمر وقلة الإنتاج، الصيف له رائحة الثوم، وسنشعر بذلك بمجرد أن نكون في حافلة نقل مزدحمة في إحدى عواصمنا العربية.

إذا كانت رائحة الإنسان تنتشر إلى هذا الحد صيفا فهل من الطبيعي أن نكون سعداء في فصل غمست شمسه في جهنم، سأهمل عن قصد “جهنمات” أخرى تعيشها بلداننا العربية من جهنم الموت المجاني إلى الخطف وقلة الخدمات، حتى جهنم الطوز والغبار.

ليست الشمس الساطعة مثار ابتهاج بشكل مطلق وإلا لما حذرنا الأطباء من سرطان الجلد، وليس الطقس الرمادي الغائم مبعث كآبة بشكل نهائي، لأنه فرصة هادئة للإنتاج والتأمل في الطبيعة والقراءة والتدفؤ بالمواقد، هل يكفي أن نذكر أن أنجح الأفلام كانت أجواءها خريفية أو شتائية؟

قد أبدو في النهاية أتحدث عن مسألة شخصية لا أكثر، لكن دعونا نجمع “التذمرات” في شوارعنا العربية في يوم صيفي لاهب ونتذكر إن كان الحال نفسه في يوم رمادي عشناه في خريف قصير.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>