First Published: 2015-05-24

شكسبير صحفيا!

 

التشبث بأي قصة إخبارية بوصفها جديدة والاهتمام بتداعياتها ومنحها مساحة أكثر مما تستحق، لا يعني أكثر من أن المساحات البيضاء في ذهن الصحفيين أكبر بكثير مما كان يتوقعه القراء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أفضل كتّاب العالم أشبه بإسكافي

لا أفكار تنتج قصصا في الصحافة اليوم، بل هناك بحث عشوائي عن قصص إخبارية، أي قصة لإعادة تدويرها في مطبخ الصحافة لتصبح قصة بغض النظر عن أهميتها وعما إذا كانت تعوّل على وعي القارئ، بما أن كلام السياسيين أصبح مكررا وما قيل بالأمس قد يتكرر اليوم، حتى الحروب أفقدت دلالة المقولة التاريخية لمفهوم الخبر “الأخبار السيئة أخبار جيدة”، فلم يعد يغري صحافة اليوم مقتل العشرات هنا أو هناك لأن بالأمس قتل المئات!

هل يمكن صناعة قصة إخبارية متفاعلة من التاريخ من أجل استمرار شريط الأخبار، بما أن سلة الأخبار متشابهة هنا وهناك. هذا ما فعلته الصحافة البريطانية أمس الأول، ووجدت وكالات الأنباء الأمر مثيرا بالنسبة لها لتعيد القصة التاريخية وكأنها حدث، وتناقلت صحفنا العربية القصة باهتمام مبالغ فيه.

“اللاقصة” ببساطة أن عالم النباتات مارك غريفيث عثر على رسمة يتوقع أن تكون الأولى لوجه الكاتب وليام شكسبير التي رسمت له أثناء حياته. ويظهر من خلالها “الشاب شكسبير” المفترض بلحية وشارب مفتول، الأمر الذي دفع غريفيث إلى العمل باجتهاد لاكتشاف الشخصية، مدركا فيما بعد أنه حقا السيد الذي قال “أكون أو لا أكون”.

ومهما يكن من أمر عما إذا كانت الصورة فعلا لشكسبير أم لا، إلا أن مارك هيدجيس رئيس تحرير مجلة “كونتري لايف” التي نشرت القصة واثق من أن الرسم يعود إلى الإنكليزي الذي ترك 38 مسرحية أرخت للقيم والشجاعة والانحطاط وحمرة الخجل المتلاشية.

وبدت القصة الصحفية ليست في صورة شكسبير، بل في الاستطراد والتفاعل مع عشرات المقالات المحللة والمفترضة بالحجج والنفي لإقناع الجمهور، والمقالات المستعيدة لأدب شكسبير في مناسبة مثيرة بامتياز.

أو كما وصفتها الكاتبة شارلوت هيجينز بأنها عينة من التمني للتعرف على شكسبير الحقيقي. فما يثير الانتباه أن الصورة تبدو مخيبة للآمال وتظهر شكسبير “أفضل كتّاب العالم” أشبه بإسكافي!

سنجد مقابل فكرة هيجينز مجموعة أخرى من المقالات والقصص التي تحلل افتراضات عن الصورة وفي اتجاهات تلتقي أو تختلف مع مارك غريفيث، وهذا كل ما تطمح له صحف اليوم بعد أن امتلأت سلالها بأخبار متشابهة ومكررة.

ألا يعني أن ذلك التكرار في القصص الصحفية بات يفرض على الصحفيين الاعتراف بأن أفكارهم لم تعد تقدم محتوى يجعل الصحف موضوع اهتمام القارئ.

ألا يبدو أن التشبث بأي قصة إخبارية بوصفها جديدة والاهتمام بتداعياتها ومنحها مساحة أكثر مما تستحق، لا يعني أكثر من أن المساحات البيضاء في ذهن الصحفيين أكبر بكثير مما كان يتوقعه القراء.

حتى وكالات الأنباء العالمية تكاد تعترف بعجزها عن تقديم محتوى متميز بعد انتهاء احتكارها بتنوع مصادر الأخبار، وبعد الخشية المتفاقمة على مصير الصحفيين في ميادين الحروب والمواقع التي تسيطر عليها الجماعات المتطرفة.

أو بتعبير ليزد دوست كبيرة مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط “لا توجد قصة تستحق أن يموت من أجلها الصحفي” في تأكيد واقعي على أن الصحفي بات اليوم هو القصة الإخبارية وليس صانعها!

المواطن الصحفي سلب من الصحفي المواصفات التاريخية بأنه يتحرك بأكثر من قدم ويرى بأكثر من عين ويسمع بأكثر من أذن، وأبقاه سجين حاسوبه الشخصي يترقب التدوينات والتغريدات لتكون مصدره الإخباري.

لذلك يبدو السؤال واقعيا عن الجهد المبذول في صناعة قصة صورة شكسبير وتداعياتها والمساحة التي أخذتها في صحف العالم والشاشات الإخبارية، ببساطة لا جهد صحفيا يذكر، غير تداعيات متصاعدة ومستمرة منذ أربعة أيام.

كان هاملت يتهكم على المسرح الفاقد لتعبيريته في زمانه، بهامش فسره المترجم الراحل جبرا إبراهيم جبرا أنه يوضح نظرة شكسبير للعروض المسرحية الرديئة آنذاك.

ويبدو أن الصحافة اليوم عليها الاعتراف بأن ملاحقتها للقصص الإخبارية والقبول بما يصلها من وكالات الأنباء ستصبح غير ذات جدوى، إن لم تصنع محتواها الخاص بأفكار صحفية متجددة. لأنها لا تحتاج إلى تهكم شكسبير لتدرك كم هي فقيرة وتستحق التعاطف.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>