First Published: 2015-05-25

بفساد أقل

 

نجحت الدولة الفاسدة في إفساد العراقيين، وهكذا انتهى العراق الديمقراطي الحر إلى أن يكون مزرعة للفساد. وهو فساد لا يبقي للديمقراطية ولا للحرية أي معنى من معانيهما.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ليست هناك دولة، كل العاملين فيها ملائكة، لكن تبين أن هناك دولاً، وحدها الشياطين قادرة على اضفاء صفة فريدة من نوعها عليها إذا ما تعلق الامر بالفساد.

سيقال في سياق التفكير النسبي إن فسادا أكثر رحمة من فساد آخر. بمعنى أن هناك درجة من الفساد تكون مقبولة إذا ما قورنت بفساد آخر.

لكن الوصول إلى مستوى مطلق من الفساد يكاد يكون معجزة في ظل كل المقاييس، فهو أمرغير ممكن التحقق إلا إذا كانت كل شرائح المجتمع فاسدة، الحاكمة والمحكومة على حد سواء. وهو ما يعني أن ذلك المجتمع قد انتهى أخلاقيا إلى طريق مسدودة، وهو ما يستدعي اعادة النظر في البنية الإنسانية لذلك المجتمع.

ففساد المجتمع هو أكثر خطورة من فساد الدولة، غير أن دولة فاسدة لا يمكن أن تبقي على نزاهة المجتمع، ففي تلك النزاهة ما يمكن أن يعرض فاسدي الدولة إلى المساءلة ومن ثم العقاب، لذلك تسعى الدول الفاسدة إلى إفساد أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع، لتضع المجتمع كله تحت السيطرة.

معادلة تصلح أن تكون مقياساً لمعرفة حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه الأنظمة بالمجتمعات التي سيكون علينا أن نعترف أنها فقدت رشدها، وعادت إلى مرحلة تستحق فيها الرعاية، بل يجب أن تكون تحت الوصاية.

وقد لا أكون مبالغاً إذا ما قلت إن العراق وقد نال درجة التفوق في الفساد العالمي يمكنه ان يكون مختبراً ملائماً لتلك المعادلة.

كانت هناك مفاجآت غير متوقعة وقد تكون سارة بالنسبة للبعض بالرغم من حمولتها الكئيبة. لقد تبين من خلال التجربة العراقية أن المتدينين هم أكثر فساداً من العلمانيين. إذا لم نقل إن العلمانيين من خلال قبولهم بالقوانين الوضعية التي تشترط الرقابة لم يكونوا فاسدين على الاطلاق.

لا يمكننا الحديث عن رشوة أقل في العراق في حقبة ما قبل الاحتلال. العراق الحديث لم يعرف إلا حين انهارت بنيته الاقتصادية بتأثير مباشر من الحصار الاقتصادي الدولي المحكم الذي فرض عليه بعد احتلال الكويت عام 1990 ليستمر حتى ما بعد احتلاله عام 2003. وهي حقبة لا يمكن الاستهانة بما يمكن أن تتركه من آثار سلبية على أخلاق المجتمع.

اما عراق اليوم وهو العراق الديمقراطي المقام على اسس ليبرالية، قوامها أحزاب تزعم أنها ناضلت من أجل الحرية فإنه غارق في الرشوة، فمَن لم يجد من أفراد المجتمع مَن يرشيه فإنه سيرشي نفسه من خلال السكوت على الرشوة.

الفساد في العراق حالة مسكوت عنها لأن جميع أفراد المجتمع يساهمون في رسم خرائطه التي جعلت رئيس الوزراء يتساوى مع حارس البناية التي يقيم فيها.

الجميع فاسدون من غير استثناء.

لن يكون ذلك اكتشافاً خارقاً. ذلك لأن كل المعطيات تؤكده.

الدليل على ذلك أن مثقفي ذلك البلد، ممن يعتبرون أنفسهم منصفين وحياديين صاروا يطالبون بفساد أقل.

من المؤلم أن أولئك المثقفين يمكنهم أن يتخيلوا أن فساداً أقل يمكنه أن يبني. صار يقال علنا أن ملياراً مقابل كل مليار مسروق يكفي لبناء بلد اسطوري. ولكن مَن يتمكن من سرقة مليار لا يمكنه أن يترك المليار الآخر هبة للآخرين.

ما لم يدركه العراقيون حتى اللحظة أن دولتهم الفاسدة قد نجحت في إفسادهم، لذلك صاروا يفكرون بما يخدم استمرارها في الفساد. فمَن يرتضي الإنفاق على درجة من الفساد لا بد أن يكون راضياً من حيث المبدأ على الفساد كله.

لقد انتهى العراق الديمقراطي الحر إلى أن يكون مزرعة للفساد. وهو فساد لا يبقي للديمقراطية ولا للحرية أي معنى من معانيهما.

من المؤلم حقا أن يُقال إن مجتمعاً فاسداً لا يمكن سوى أن ينتج حكوماً فاسدة. ولكنها الحقيقة التي انتهى إليها الوضع في العراق.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>