First Published: 2015-05-28

العراق وهو نفق مظلم

 

ما بين داعش والحشد الشعبي يقف العراقيون بن خيارين، أحلاهما مر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعد الصدمة التي سببها فرار الجيش العراقي أمام زحف تنظيم داعش القادم بسيارات دفع رباعي والذي نتج عنه سقوط الموصل أصدر السيستاني، وهو المرجع الديني المعتمد من قبل جزء كبير من شيعة العراق فتواه في الجهاد الكفائي، وهو جهاد يشير اسمه إلى الدفاع حيث الاضرحة والمقامات المقدسة بالنسبة للشيعة أكثر مما يشير إلى الهجوم من أجل تحرير المدن والاراضي العراقة التي وقعت في قبضة داعش.

كانت فتوى ذلك الجهاد حسب مصدرها ملزمة للشيعة. ذلك لإن صاحبها لم يوجهها إلى عموم العراقيين، بل خص بها أتباعه، وهم الجزء الاعظم من العراقيين، كما توحي بذلك التكهنات المبنية على خليط مما يقوله الساسة وزعماء الاحزاب الدينية وامراء الحرب في العراق وما كانت الادارة الاميركية قد أشاعته من خلال سلطة الاحتلال السابقة، حين كان بريمر يعد العراقيين بحل ذهبي كان السيستاني قد خبأه تحت وسادته، وهي الوسادة التي يستند إليها الرجل حين الجلوس.

غير أن إقبال أتباع المذهب على الجهاد كان يدعو إلى السخرية أو على الأقل إلى الشفقة. فلم يكن من بين من لبوا النداء مقاتل واحد، سبق له أن جرب استعمال بندقية صيد. كان مشهد المتطوعين مضحكا. شباب عاطلون عن العمل يتحركون كما لو أنهم ذاهبون إلى حفلة رقص شعبي وشيوخ صارت الحرب بالنسبة لهم مجرد ذكرى وحكايات عن زمن غدر بهم حين حرمهم من شبابهم. وكان من الطبيعي أن يفهم منفذو الفتوى أن كل ما يفعلونه من أجل الدعاية والاستعراض والتعبئة الطائفية لا ينفع في ساحات القتال. هناك عدو شرس وكاسر اسمه داعش تنبغي مواجهته بطريقة عسكرية منظمة. من هذا الشعور العميق بالإحباط كما خيل للبعض ولدت الحاجة إلى اختراع ميليشيا الحشد الشعبي.

ولكن قد تكون تلك الفتوى هي الاختراع الذي أملته حاجة القوى الشيعية إلى أن تجمع ميليشياتها المتفرقة والمختلفة حسب ولاءاتها تحت خيمة واحدة، يكون البعد الطائفي هو التفسير الوحيد لوحدة صفها. وهو ما أتوقعه. فيكون السيستاني من موقعه حينها مجرد واجهة تختبئ وراءها آلة الحب الطائفية. فرجل الدين الايراني لن يكون بريئا من النيات الشريرة المبيتة بعدما كان قد طلب عام 2006 من أتباعه التعبير عن غضبهم بسبب تفجير ضريحي سامراء، وهو ما جر البلاد كلها إلى حرب أهلية استغرقت سنتين، راحت ضحية لها مئات الالوف من الأرواح البريئة.

كان على العراقيين يومها أن يكتشفوا أن ذلك السيستاني كان رجل حرب من طراز جديد وفريد من نوعه وأن كفاءته المهذبة في اختراع أسباب ودوافع حروبه تتطلب قدرا هائلا من الحذر.

كانت هزيمة الموصل مناسبة لكي قول السيستاني كلمته من جديد.

ولم يكن مفاجئا أن تشتبك تلك الكلمة بالبعد الطائفي، البعيد كل البعد عن الحمية الوطنية. فالأرض العراقية التي احتلت هي أرض سنية وإذا ما اضطر الشيعة إلى تحريرها من الدواعش فإن ثمن تحريرها سيكون تشريد سكانها واجبارهم على أن يكونوا سكان مخيمات وطالبي لجوء، وهو ما حدث بالضبط لسكان تكريت.

"تكريت لنا" هذا هو الشعار الذي ترفعه ميليشيا الحشد الشعبي، أما سكان تلك المدينة فعليهم أن يبحثوا عن حل لمأساتهم خارج حدود مدينتهم.

لم يحرك السيستاني ساكنا حين ضمت ميليشيا الحشد الشعبي تكريت إلى ممتلكاتها. صمته كان دليل تآمره. وهو ما صار درسا بالنسة لسكان المدن العراقية المحتلة.

ففي مواجهة أن يكون المرء سيستانيا هناك جزء من العراق يضيع وهناك ملايين من العراقيين تعرض للضياع.

ما بين داعش والحشد الشعبي يقف العراقيون بن خيارين، أحلاهما مر.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>