First Published: 2015-05-31

أكان ضروريا كل هذا الخراب؟

 

ليس المطلوب اليوم الترحم على أزمنة صدام حسين أو الاسد الاب عوضا عن ابنه أو القذافي أو صالح، بل المطلوب فعلا الترحم على أزمنة لم يكن فيها القتل مشروعا اجتماعيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لو لم يُحتل العراق من قبل الولايات المتحدة أكانت بلاد الرافدين تشهد كل هذا الفيض من الاسى والكآبة؟

الديمقراطية التي جلبها الأميركان إلى العراق لتكون استثمارهم الوحيد فيه أنتجت قتلة وفاسدين ولصوصا وقطاع طرق. اما خطط الاعمار الاميركية فتركت البلاد الثرية على حافة الفقر والافلاس والعوز حين أهُدرت المليارات من اموال النفط من غير أن تبنى مدرسة أو مستشفى او دار للأيتام.

لو لم يجتمع متنورو سوريا في اسطنبول ومن ثم في الدوحة أكان في الإمكان أن تتحول بلادهم إلى أكبر ملعب للارهاب في تاريخ البشرية؟

لقد جرى تجميع الجراد الاسلامي من مختلف انحاء العالم بخبرة أكبر أجهزة المخابرات العالمية ليتم اطلاقه في بلاد الياسمين. كم كان ثمن تآمر المتنورين قاسيا وثقيلا على شعب توزعت ملايينه بين مخيمات النزوح واللجوء والتشرد. وها هي سوريا تقع فريسة تتقاسم ما تبقى منها أعتى الجماعات الارهابية القادمة من أزمنة التخلف والانحطاط.

لو لم تسقط جماهيرية القذافي العظمى أكانت ليبيا تتحول إلى ملعب للقتل الذي لا يعرف المشاركون فيه سببا وطنيا له؟

كان هناك مجنون معلن واحد، فإذا بالبلاد كلها تتحول إلى مستشفى للمجانين. لم يعد في الإمكان التعرف على حقيقة الوضع هناك بعد أن اختفى من المشهد صانعو ذلك الوضع وتركت البلاد كرة نار تتخاطفها الميليشيات التي لا يعرف أفرادها شيئا عن مشاريعها التي لم يظهر منها إلا الدمار.

وحوش الثورة دمروا كل شيء يُذكر بأسبابها.

وأخيرا لو أن اليمنيين كانوا حذرين وحريصين على أن يبقى التحول الذي شهدته بلادهم في اطاره السلمي، أكان في إمكان عصابة الحوثي أن تلحق واحدا من ثلاثة لم يكن يعيش على المساعدات الدولية بأخويه؟

لقد انتقلت اليمن من حكم صالح وهو رئيس إلى حكم صالح وهو عدو للرئيس. اما الشعب فقد استعاد جوهر حقيقته المناهضة للدولة المدنية، حيث القبيلة هي الخيار الوحيد الممكن. غير أن تلك العودة لن تتم بطريقة سلمية كما هي الحال حين يكون التحول مدنيا. فما لم تخربه الثورة خربه الحوثيون.

أكان ضروريا كل هذا الخراب من أجل لاشيء؟

لقد أعدمت حكومة شيعية في العراق صدام حسين بإعتباره سنيا وهو لم يكن كذلك يوما ما في حياته. اما بشار الأسد فقد صار شيعيا بالقوة في مواجهة خصومه الطائفيين، بعدما تبين أن العلمانيين من معارضي سوريا لا قيمة لهم على الأرض.

في ليبيا سُمح لتنظيم القاعدة في أن يكون واجهة وطنية للثورة في الوقت الذي كان مقتل القذافي بطريقة وحشية مطلوبا بإعتباره المشهد الأول من صراع همجي لن يكون لمدنيي ليبيا حضور فيه.

وفي اليمن أدخل الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح رأسه في خلية نحل، ليلعق عسلها وحده من غير أن يكترث بلحظة احتضاره، ما دامت تلك اللحظة لن تستثني أحدا من خصومه.

تاريخيا يمكن النظر إلى كل ما جرى بإعتباره تعبيرا عن الرغبة في الانتحار. فمَن ينظر من الخارج إلى مجرى الأحداث لابد أن يصل إلى قناعة، مفادها "هذه شعوب ترغب في أن تنتحر، فكان الربيع العربي مناسبة لإنجاز تلك الرغبة".

لذلك كان الخراب ضروريا. لا من أجل هدم الانظمة السابقة والتخلص من أعبائها الثقيلة حسب، بل وأيضا من أجل التخلص من التاريخ واستحقاقاته وواجباته ومسؤولياته.

لقد دخلت شعوب بأكملها إلى متاهة، كانت تعرف أنها لن تخرج منها أبدا. لم يصنع تلك المتاهة أحد من الاعداء في خياله، بل كانت نتاج مخيلة انتحارية تعبق بروائح تراث غمرته الكراهية بمياهها الآسنة.

ليس المطلوب اليوم الترحم على أزمنة صدام حسين أو الاسد الاب عوضا عن ابنه أو القذافي أو صالح، بل المطلوب فعلا الترحم على أزمنة لم يكن فيها القتل مشروعا اجتماعيا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>