First Published: 2015-06-02

اركب.. الحافلة!

 

ليس عيبا في العربية وقوعها تحت وطأة التأويل، فكل مفردات اللغات قابلة للتأويل بوصفها كائنات حية تنمو وتتطور وقد تموت.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يوم كامل بثلاثة جنيهات

ليس مثل العربية لغة قابلة للتأويل، والتأويل السيئ. فما يتم تداوله في مشرقها يصبح مضحكا ومعيبا في مغربها، كما تبدو بعض مفردات ودودة عند عرب شمال أفريقيا كلاما جارحا عند مشارقة العرب، ولنا أن نتخيل حيرة سيدة مشرقية عاشت مع أولادها وزوجها الأستاذ الجامعي في الجزائر عندما تطهي لهم الكسكسي، فلا تملك أن تدعوهم إلى المائدة إلا بجملة “اليوم وجبتنا رز جزائري”.

ويمكن للقراء العرب أن يضعوا بيسر قائمة طويلة من مفردات نشترك في تداولها لكنها تحمل معاني متباعدة، المعضلة أن تدخل مثل هذه المفردات الإشكالية في الأغاني ولا تبقى في متن الكلام وحده، فكيف لليبي مثلا أن يردد أغنية فاضل عواد العراقي الذي عاش لسنوات بين الليبيين “إتنا إتنا وانتِ عمرك ما تنيتي”؟

ومهما يكن من أمر وبفضل الفضاء الافتراضي والتقارب التكنولوجي أصبحنا أكثر قربا مما لو تركنا الحال للسياسيين المذعورين من التواصل العربي، وهكذا قرّبتنا الإنترنت بعد أن أبعدتنا الحكومات عن بعضنا البعض، وهو ما جعلنا نتقبل لهجاتنا أكثر من زمن تلفزيوني ميت كان لا يعرض غير اللهجة المصرية المفخخة بالكلــمات الخالية من المــعنى.

اليوم المغربي يشعر بعمق البوح والفذلكة السورية، ويعرف التونسي ما يتداوله أهل الخليج العربي بكلام يحول الجيم إلى ياء.

ليس عيبا في العربية وقوعها تحت وطأة التأويل، فكل مفردات اللغات قابلة للتأويل بوصفها كائنات حية تنمو وتتطور وقد تموت، يكفي أن نجد أن اسم العضو الأنثوي له مئات التسميات تقرها القواميس في لغة شكسبير، فلماذا نعيب بعدها على العربية؟

خلال الأسبوع الماضي تصاعد الغضب والاستياء بين أهالي مدينة كارديف البريطانية على إعلان ترويجي ملصق على الجزء الخلفي من الحافلات يظهر صورة امرأة تغطي نصفها العلوي العاري بلوحة كبيرة مكتوب عليها بانكليزية صحية

Ride me all day for £3

وهي جملة يمكن ترجمتها دون خبث وتأويل تتحمله كل لغات العالم، بإمكانك أن تركب الحافلة ليوم كامل بثلاثة جنيهات، فلماذا تفاقمت الضجة بين أهالي كارديف إلى درجة دفع شركة النقل إلى الاعتذار وسحب الملصق الإعلاني مؤكدة إنها ترفض فكرة تسليع المرأة.

كان يمكن أن يمر هذا الكلام بلا غضب لو كانت الإنكليزية أسوة بلغتنا العربية غير قابلة للتأويل، لكن الاستياء كان يركز على صورة الأنثى في الإعلان، مع أنه توجد صورة رجل بنفس نسخ الإعلان لا أحد تداوله بالتهكم والسخرية.

سنجد ما يقابل مثل هذه الأفكار في كل لغات العالم وليست الإنكليزية وحدها، وليست لهجاتنا وحدها معرضة للتهكم والخجل.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

يبدو ان كرم نعمة لم يجد من اخبار عمه مردوخ ولا الاعلامي الرقمي والورقي كي يكتب عن الحافلة، مع ذلك اشهد ما بالله الموضوع جميل وطريف ومقروء وهذا ليس اسلوب كرم نعمة ياميدل ايست

2015-06-02

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>