First Published: 2015-06-06

صلاة على جسر بزيبز

 

السنة من أهل الفلوجة الممنوعون من دخول بغداد لو كانوا نصارى مثل طارق عزيز لإبتكرت لهم تهمة أخرى.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

توفي طارق عزيز إذن. الرجل الذي عُرف دائما بإعتباره وزيرا للخارجية، بغض النظر عن مناصبه الأخرى في الدولة العراقية. انتهت رحلته في حياة، توقعها صعبة وشاقة بسبب تمسكه بالمبادئ التي آمن بها. اتفقنا أو اختلفنا معه فقد كان الرجل وفيا لأفكاره، تلك الأفكار التي لم تكن حزبية ضيقة كما يتوهم البعض.

صورته متماسكا وقويا في المحكمة الصورية التي انشأتها سلطة الاحتلال الاميركي لن تُمحى من الذاكرة العراقية. لقد وهبتنا تلك الصورة شيئا من الامل في أن الاجيال العراقية المقبلة لن تلعن كل شيء في زماننا.

لم يخذل عزيز تاريخه الشخصي. لم يخذلنا أمام أولادنا وأحفادنا. كان صورة لعراق لم يُبتذل بعد في سوق النخاسة الدولية التي جلبت إلى السلطة في العراق الجديد رجالا لا يعرفون معنى أن يكون الإنسان وطنيا من جهة كونهم لا يعترفون بالمواطنة.

أما كان على العراقيين أن يشعروا بالعار وهم يرون حشود النساء والاطفال عالقة عند جسر بزيبز، المعبر الوحيد الذي يصل الفلوجة ببغداد. لقد ارتضوا أن يكون جزء منهم نازحا، غير أن ضمائرهم لم تهتز بعد أن عرفوا أن عراقيين سيمنعون من عبور ذلك الجسر الذي سيدخل التاريخ بإعتباره موقع ذل واهانة.

أهي ثقافة الذل التي لم يرتض رجل مثل طارق عزيز أن يخنع لها وهو الاسير؟

كان الرجل مخلصا لفكرة عن عروبة آمن بها وإن لم يكن ينتمي إليها عرقيا. كانت عروبته ثقافية وليست انتماء عرقيا. وهوما صنع منه نموذجا مثاليا لما يمكن أن يكون عليه العراقي في ظل دولة مدنية، تكون عابرة للأديان وللطوائف والقوميات واللغات.

كان العالقون عند جسر بزيبز سنة. كلهم سنة من غير استثناء، لذلك جرى منعهم من دخول عاصمة بلادهم. سنيتهم هي التهمة التي تقف بينهم وبين لجوئهم إلى بلد، صار شعبه ينظر إليهم أغرابا. هم وفق التقويم السياسي مجرد أتباع لتنظيم داعش. ولو كانوا نصارى مثل طارق عزيز لإبتكرت لهم تهمة أخرى.

عروبتهم مؤكدة حين يقدمون في الأخبار كونهم عربا سنة أما عراقيتهم فهي موضع شك. ولكن لمَ يقبل شيعة العراق أن يجردوا من عروبتهم فتكون العروبة من حصة السنة وحدهم؟

لم يكن طارق عزيز سنيا. لم يكن بالقوة نفسها شيعيا. كان الرجل مسيحيا. هل كان مسيحيا حقا؟ كان عزيز بالدرجة الاساس عراقيا ومن ثم عروبيا بطريقة لا تقبل القسمة.

لم يكن يخطر في ذهنه أن المسيحيين هم سكان العراق قبل أن يقبل العرب المسلمون من الجزيرة فاتحين. هو ابن العراق العربي قبل الاسلام وبعده. لذلك كان العراق الحديث الذي كان طارق عزيز واحدا من بناته المهمين مخلصا لعروبة العراق التي هذبت العرب القادمين من الحجاز وصنعت منهم رواد حضارة إنسانية في بغداد التي رفلت بالعز، بإعتبارها بوابة لعصر ذهبي، عاشت الإنسانية ترفه برخاء.

ما كان لرجل بمستوى طارق عزيز أن ينحني أمام العاصفة. كان نموذجه في المُثل صدام حسين قد فعل الشيء نفسه. العالقون عند جسر بزيبز وإن كانوا نازحين، غير أنهم كانوا يعتبرون عبور الجسر حقا وطنيا، وهو ما أزعج الحكومة الطائفية، بل وأزعج الملتحقين بتلك الحكومة من السنة.

لقد كُتب على الفلوجيين أن يكونوا دواعش. وهو قدر سيتحكم بتاريخ العراق إلى وقت لن يكون قريبا. ستستحضر أجيال من أبناء الفلوجة مشهد العالقين عند جسر بزيبز فتدرك أن هناك مَن تمكن عن طريق ابتذاله السياسي أن يحطم صورة العراق الواحد. العراق الذي أبقاه طارق عزيز بنبله مرفوع الرأس.

ألا يستحق طارق عزيز صلاة جنازة عند جسر بزيبز؟

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الغام الاخوان تحت أقدام المصريين
2017-05-29
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
المزيد

 
>>