First Published: 2015-06-06

المقنع الكندي والمقنع الجولاني

 

يغطي الجولاني وجهه. كيف نثق بثورة مغطاة بخمار؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

الولايات المتحدة في ظرف لا تحسد عليه، فهي لا تريد إرسال قوات برية إلى العراق فالرئيس باراك أوباما مصمم على هذا الأمر. في نفس الوقت لا تريد أميركا حربا طائفية تفجر المنطقة، وبما أنه لا يوجد بديل عن الحشد الشعبي الشيعي في العراق لقتال الدولة الإسلامية، فإن هذه العملية الجراحية الصعبة لابد أن يرافقها مسكن للعصب السني في المنطقة.

لا يوجد مسكن في العراق بل في سوريا. دعم وتسليح سري لجبهة النصرة، مع أخبار انتصارات جيش التوحيد واسترداد الأراضي السورية من داعش. النظام السوري من جهته يرفض هذا المخطط ليس حبا بالدولة الإسلامية، ولكن القوات المنتصرة ستتجه نحوه كغنيمة، وتحرمه من أن يكون هو العدو الأول للنصرة والدواعش معا.

دول عربية أخرى ترفض هذا المخطط لأنه يعني تأهيلا للقاعدة وجبهة النصرة بطريقة غير مضمونة النتائج، فعند بعض الدول تخوف من تكرار تجربة الجهاديين في أفغانستان لقتال الإتحاد السوڤيتي. ثم أن مشروعا كهذا يعني دورا أكبر لقطر والإخوان المسلمين في المنطقة. دول عربية كثيرة ترفض أن تجد نفسها بين خيارين لا ثالث لهما في سوريا: إما القاعدة أو الإخوان المسلمين.

الدواعش يعرفون أنهم وجدوا لأنفسهم مكانا في قلب التناقضات، ولا توجد معادلة حتى الآن تسمح باحتوائهم أو القضاء عليهم بشكل نهائي.

على خلفية هذا المشروع قامت قناة الجزيرة القطرية ببث لقاء من حلقتين لزعيم جبهة النصرة في محاولة لتحسين صورته أمام العالم. اللقاء نفسه جدير بمقال كهذا لما احتوى من طرفة سياسية حقيقية.

بدا الجولاني رجلا قلقا فحركات يديه وميلان جسده تكشف عن رجل غير مستقر، فهو لا يمتلك هدوء زعيم القاعدة أسامة بن لادن أو الخليفة أبو بكر البغدادي.

زعيم جبهة النصرة ظهر واضعا قطعة قماش على رأسه، وسط ذهول الناس من هذا السلوك. فالشاعر الأموي المقنع الكندي لم يكشف لثامه عن وجهه خوفا من العين، ومن افتتان المحصنات به لجمال وجهه وحسن ملامحه، بينما الجولاني لماذا لم يكشف عن وجهه؟ هل يخاف من العين أيضاً؟ فرفاقه في الإرهاب من الزرقاوي والبغدادي والظواهري قد كشفوا عن وجوههم ولم يبالوا بخطر. ثم كيف نثق بثورة مغطاة بخمار؟

الجولاني ظهر كشخصية نادمة وتطمح بالعفو وبثقافة متواضعة جدا. حين سأله أحمد منصور ما هي مشكلتكم مع إيران كان جوابه بائسا، فهو يقول إن ايران امبراطورية فارسية قبل الميلاد كانت تحتل القدس واليمن والعراق وسوريا، والفرس يريدون استعادة أمجادهم.

لا أعرف لماذا لم يقل له مقدم البرنامج بأن العرب فتحوا فارس وهدموا ملكهم، وكادت لغتهم أن تنقرض لولا الفردوسي وغيره. فإذا كنا سنعود إلى ما قبل الميلاد فالأجدر بألا ننكر طموحات العرب والأتراك الإمبراطورية. وما زالت طموحات الأتراك العثمانية متمثلة بمشروع الإخوان المسلمين، وكذلك طموحات العرب الإمبراطورية متمثلة اليوم بالدولة الإسلامية أليس كذلك؟

كان على الجولاني الحديث عن تشيع ايران لأغراض دفاعية في القرن السادس عشر ضد التوسع الامبراطوري العثماني حينها، ثم ينتقل الى الحديث عن التشيع الهجومي الذي بدأ بالخميني ومبدأ تصدير الثورة والتبشير الصفوي منذ 1979 حتى يكون لكلامه معنى.

ثم أن زعيم جبهة النصرة يقول صراحة بأنه سيدعو القرى العلوية والدرزية الى التوحيد، أي أنه لا يسمح بتعدد الطوائف في سوريا، وقد نتفهم موقفه من العلويين في سياق الحرب الطائفية الدائرة منذ أعوام، ولكن ما ذنب الدروز؟ هؤلاء قوم عرب أصبحت مناطقهم ملاذا للنازحين من المناطق الساخنة، ولم يعتدوا أو يظلموا بل ساعدوا العوائل والأطفال وتبرعوا لهم طوال سنوات المحنة.

كيف سيذهب الجولاني إلى السويداء بعد كل تلك المواقف الكريمة ويطلب منهم ببساطة تغيير مذهبهم؟ الجبل الدرزي يستعد للحرب بكل أسف بعد سماع هكذا كلام.

لم نفهم من زعيم جبهة النصرة ما هو الهدف من الصراع السوري الذي كلفنا 300 ألف شهيد سوري وعشرة ملايين نازح وهدم المدن السورية الجميلة. فهو يصرح بأنه لا يؤمن بالديمقراطية ويريد تطبيق الشريعة، مع هذا هو مصر على أنه يختلف عن داعش وأنهم خوارج.

وفي سياق حديث الجولاني عن الدولة الإسلامية، يبدو وكأنه يعتبرها حركة عراقية متجاهلا بأنها باتت تسيطر على ثلثي مساحة سوريا في الواقع. وحتى اتهامه للدولة الإسلامية بأنها تحرر المناطق المحررة بدا مضحكا، لأننا جميعا نعلم بأن هدف الدولة الإسلامية ليس إسقاط هذا النظام أو ذاك بل "التمدد جغرافيا" فهي تبني نفسها على حساب العراق وسوريا ولا تهتم لنوعية الخصم سواء كان جيشاً سوريا أو معارضة أو أكراد أو ميليشيات شيعية.

يبدو الجولاني لا يعرف ما هي الدولة الإسلامية، فهو يخلط بينها وبين حركات التحرر أو الثورات، وينسى بأنها مشروع بناء دولة جديدة وليست لتحرير دولة موجودة أساسا.

في الحلقة الأولى قبل أسبوعين رأينا مقدم قناة الجزيرة يقول للجولاني "شكرًا للشيخ الجولاني لأنه خص الجزيرة دون بقية القنوات وشرفنا بهذا اللقاء." أما في الجزء الثاني قبل يومين رأينا أحمد منصور نفسه يغير نبرته ويقول "لقد تركتك يا جولاني تستفيض وتتكلم حتى يعرف العالم كيف تفكر." هذا هو مكر الإخوان المسلمين الذي لا ينجو منه حتى زعماء الإرهاب.

لا أعرف لماذا بعد ذلك اللقاء شعرت بأن الرئيس عبدالفتاح السيسي بطل حقيقي ومخلص لشعبه، فلا يمكن أن نكون بين خيارين لا ثالث لهما: إما بطش الإرهاب أو مكر الإخوان المسلمين.

 

أسعد البصري

الاسم عراقي
الدولة العراق

ويمكرون والله خير الماكرين.. سقط متاع سوف يجرفه التاريخ مثل ماسبقه.

2015-06-07

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
المزيد

 
>>