First Published: 2015-06-08

مَن يصل إلى روما أولاً؟

 

سنصل روما فعلا، لكن حفاة سترد إليهم دائرة الهجرة شيئا من كرامتهم فلا يفكرون بالمهدي الذي إن ظهر سيكون عليه أن يحرر المئات من المدن العربية التي قهرها الظلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كان المثل الروماني يقول "كل الطرق تقود إلى روما" بالمعنى الذي يشير إلى مكانة المدينة باعتبارها عاصمة العالم. كانت كذلك يومها. ومن هنا جاءت رمزيتها بالنسبة لمُن يحلم في أن يكون سيد العالم.

ولكن روما لم تعد روما.

صحيح أن المثل لا يزال يُستعمل، لكن بطريقة مجازية.

روما ومنذ زمن طويل مدينة تحتمي بآثارها وتستمد جزءا من حيويتها من الاقبال السياحي لرؤية تلك الآثار. وهو أمر لا يكسبها أهمية بين المدن الصاعدة في زماننا. لقد عصفت بها الأزمات الاقتصادية حتى باتت واحدة من المدن الفقيرة مقارنة بمدن أوروربا الغربية الأخرى أو عدد من المدن الآسيوية.

روما التي أخترقها برلسكوني بالفساد هي نفسها التي غزاها ذات مرة العقيد القذافي بخيمته الشهيرة في محاولة منه للشماتة بالايطاليين الذين غزوا ذات يوم بلاده واحتلوها ونكلوا بمواطنيها.

كان الزعيم الليبي الراحل لا ينشد فتح روما، بقدر ما كان يود التعبير عن سخريته لما انتهت إليه عاصمة العالم.

ومع ذلك فإن روما غالبا ما تحضر في أدبيات جماعات الاسلام السياسي وهي أدبيات يمتزج فها الهذيان السياسي بالخرافة الرثة بإعتبارها الحاضرة التي سيكون فتحها من قبل المسلمين بمثابة اللحظة التي يبدأ فيها زمن العدل الذي يمهد لقيام الساعة.

يقولون "لقد بشرنا الرسول بفتحها" وتسكت.

من المؤكد أن أهل روما لم يسمعوا بخرافة مدينتهم وإلا كانوا استعملوا تلك الخرافة لأغراض الترويج السياحي. فالمدينة التي سيظهر فيها المهدي آخر الزمان على رأس جيشه المدعوم بالملائكة لابد أن تستحق الزيارة.

وكما أرى فإن خرافة روما في فكر الجماعات الإسلاموية المتطرفة انما هي برهان آخر على ما يعيشه ذلك الفكر وحاملوه والمذعنون له من انفصال مزر عن الواقع وعن التحولات الكبرى التي شهدها ويشهدها عصرنا.

غير أن المؤلم في الموضوع أن ذلك الفكر، بفضائح تخلفه وانحطاطه وهزال قيمه لا يزال متمكنا من عقول شرائح كبيرة من المجتمع العربي، وهي الشرائح التي تجد في الحلم الديني في فتح روما تعويضا لها عما تعانيه من أمراض وفقر وفاقة وعمى خيالي أفقدها القدرة على التفكير في ما ينفعها في حياة لم تعد تستحق أن تعاش.

لذلك لم يفكر أحد في معنى فتح مدينة فقيرة مثل روما. لو كانت نيويورك، شنغهاي، تابيه، لوس انجلس، دبي، هونغ كونغ، لوكسمبورغ، سول هي المدينة الموعودة بالفتح لفهم الامر على أساس الرغبة في السطو على أموال الأثرياء من أجل توزيعها على الفقراء على طرية روبن هود.

ولكن خيار فقهاء الظلام وقع على روما، المدينة التي صارت تستغيث بأخواتها في الاتحاد الاوروبي من أجل انقاذها من تكلفة إيواء حشود المهاجرين غير الشرعيين القادمين هربا من بلدان، رفع الاسلاميون في عدد منها شعار تطبيق الشريعة. فهل صار علينا أن نتخيل أن المهدي المنتظر سيقدم هو الآخر بحشود من المهاجرين ليزيد من مصاعب العيش في تلك المدينة المرهقة بما لديها من مشكلات اقتصادية؟

لقد دُمرت مدن عديدة في العالم العربي بطريقة ممنهجة. دُمرت بغداد وحلب وحمص وعدن والموصل وصنعاء وطرابلس الغرب والبصرة وحماه وهناك مدن تعيش حالة طوارئ، معلقةً جرس الانذار على رقبتها مثل بيروت وتونس والقاهرة. وما كان لهذا الدمار أن يقع لولا تنامي وانتشار فكر الجماعات الاسلاموية التي لا تزال مصرة على أن تسلينا بفكرة الذهاب إلى روما من أجل فتحها.

سنصل روما فعلا، لكن حفاة سترد إليهم دائرة الهجرة شيئا من كرامتهم فلا يفكرون بالمهدي الذي إن ظهر سيكون عليه أن يحرر المئات من المدن العربية التي قهرها الظلام قبل أن يلتفت إلى روما.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>