First Published: 2015-06-08

الجولاني على الجزيرة: كي لا نفهم أكثر!

 

كان مطلوباً، لسبب ما، تقديم رواية الجولاني للملأ لتعبيد الطريق باتجاه سيناريوهات قيّد الاعداد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لم تهضمْ أوساطُ المعارضة السورية قرارَ الولايات المتحدة، في مؤتمر أصدقاء سوريا في مراكش (ديسمبر 2012)، وضعَ جبهة النصرة على لائحة الإرهاب. خرجَ منهم من تحفّظ أو اعترض على الحكمة الأميركية التي تقفُ وراء الحكم الصادر بحقِّ النصرة. المدافعون عن النصرة، ومنهم رئيس الإئتلاف المعارض آنذاك معاذ الخطيب، قالوا أن أجندة التنطيم سوريةٌ، وتعمل كما تعمل كل المعارضة لاسقاط النظام. ذهب الخطيب أكثر من ذلك حين وجدٓ أن "انتشار الطابع الإسلامي للثورة أمر إيجابي."

لم تنفع أصوات المتبرمين، وراح العالمُ يقارب النصرة بصفته تنظيماً إرهابياً تجوز مكافحته بنيران "التحالف" والقانون الدولي، شأنه بذلك شأن التنظيم المنافس والخصم بقيادة أبو بكر البغدادي.

لا يشفعُ العالم لأبو محمد الجولاني، أمير تنظيم النصرة، انشقاقه عن "خليفة الدولة"، فالعنوانين بالنسبة لمكافحي الارهاب وجهان لعملة واحدة، سواء في طبعتها التقليدية منذ قاعدة بن لادن، أو بالطبعة الطارئة منذ غزوات داعش الشهيرة.

وحتى لا يسوء الفهم كثيراً بين واسمي النصرة بالارهاب والمدافعين عنه، ها هو أمير التنظيم يكررُ ولاءه لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، ويكشف أن خيارات تنظيمه مستوحاة من تعليمات قائد القاعدة، بما يفسّر ويرفد تميّزه عن داعش، ذلك التنظيم الذي تجرأ يوماً على التمرد على القاعدة الأم، وتجاوزه في الفعل والشهرة والصيت والقدرة على جذب "المجاهدين".

حين انخرطَ تنظيمُ النصرة (مارس الماضي) داخل تحالف "جيش الفتح" المؤلف من سبعة فصائل (وربما الأصح أنه ضمّ تلك الفصائل إليه)، تخيّل المراقبون تحولاً محتملاً في توجّهات تنظيم الجولاني بما يتّسق مع تحالف تركي قطري سعودي ما في مقاربة الشأن السوري. بدا أن منجزَ المعارضة جنوباً، أي في المناطق القريبة من حدود الأردن وامتداداته الخليحية، متناغمٌ مع منجزها شمالاً، أي في المناطق الملتصقة بالحدود مع تركيا، وأن سرّ "فتوحات" المعارضة هذه الأيام، بما فيها ما تحقق على يدّ النصرة، هو ثمارُ هذا التقاطع الثلاثي الأضلاع.

بيد أن خطاب النصرة، كما عبّر عنه أميره في المقابلة المثيرة للجدل، والتي بثتها قناة الجزيرة، يقود الى استنتاجات قد لا تلتقي مع الخطاب المعلن للمؤتلفين، أو أنها تعبير عن تحوّلات ما قد طرأت على الآلية التي يعمل بها هذا الإئتلاف الإقليمي في سبيل اسقاط نظام دمشق.

تُفرج تصريحات الجولاني عن منحى يفيدُ أن تنظيم القاعدة ما زال منسجماً مع نفسه ومع سياق ثابت منذ اسامة بن لادن في بورا بورا، مروراً بالظواهري في مكان ما في باكستان، انتهاء بأمير القاعدة في سوريا أبو محمد الجولاني. مختصر الخطاب (حسب تلك المقابلة) "جهادٌ من أجل اقامة دولة المسلمين وفق شرع الله"، وتفريقٌ بين المسلمين وغير المسلمين (وفق ما يفرضه الشرع على الكتابيين)، وتفريق داخل أمة المسلمين بين المؤمنين والكافرين (والذي لا يكفّر، على عكس داعش، وفقا للجولاني إلا بـ "نصّ شرعي وفتوى أهل"). ثم أن الجولاني، المتناغم مع عقيدته، يضيفُ نصحاً للأقليات (درزية أو علوية.. إلخ) بـ "تصحيح" معتقداتهم والعودة للإسلام، فإن فعلوا سلموا.

بكلمة أخرى، يحفرُ الجولاني في القرن الواحد والعشرين ملامح أمةٍ نقية تجلس على أرضية عقائدية عمادها المؤمنون، بحيث لا يحتمل الإيمان تنوعاً ولا تبايناً ولا تعدداً. في ذلك يغيبُ التسامح في الإسلام، ولا تتيحُ تلك الرؤية أن يعيش بين كنف المسلمين من ليسوا مسلمين أو من ليسوا من أهل السنةّ والجماعة (كما هي الحال منذ 14 قرناً)، إلا أن تسري عليهم أحكام الردّة أو الذمّية.

على أن الرجل لا يأتي بجديد في ما يؤمن به وما بشّر به تنظيم بن لادن. لكن الجديد أن القاعدة (النصرة)، الذي يحذو حذو تنظيم البغدادي في "تحرير" المدن والقرى والمحافظات (على عكس ما كان يمارسه قبل داعش)، ينشد ُفي خطابه اقامة دولة اسلامية على انقاض دولة الأسد في سوريا، تمثّل في الشكّل نقيض ما انفك نظام دمشق يزعمه من دفاع عن دولة مدنية لا دينية تحمي الأقليات.

يجاهرُ الجولاني أن النصرة أصبح رقماً أساسياً في المعادلة السورية، بما يشي أن انتصارات تنظيمه الإقليمية المزاج، تعكسُ اعترافاً ضمنياً من قبل التقاطع السعودي القطري التركي بذلك، وقد يفهم من قيام القناة القطرية باجراء هذه

المقابلة إشارة إقليمية ما بهذا الاتجاه. والأنكى أن عدم ذهاب الجولاني مذهب التوقعات، التي انتشرت عشية بثّ المقابلة، من أن رجل النصرة يعتزم فك ارتباطه برجل القاعدة، قد يفسّر أيضاً بأن الائتلاف الثلاثي الاقليمي يقارب الرجل وتنظيمه بقواعد النصرة وثوابت القاعدة.

يبقى ما سلف تأويلاً يحتاجُ إلى معطيات أدقّ. بيد أن أمرَ النصرة محطّ خلاف عضوي داخل ائتلاف "عاصفة الحزم"، بما يصدّع امتداد هذا الإئتلاف ليلامس العلّة السورية. فلا مصر تستسيغ تحالفاً سعودياً قطرياً تركياً، وخصوصاً إذا ما كان النصرة واحد من أدواته، ولا الإمارات تقبل بتعويم القاعدة وتأهيل النصرة، على ما يدلي به وزير خارجيتها في موسكو: "النصرة تنظيم ارهابي".

في تمسّك الجولاني بـ "قاعدته" تبريرٌ قد يتصلُ بشرعية النصرة وقائده أمام "المجاهدين". لكن في تثبيت ولاء التنظيم لأيمن الظواهري ما يجرُّ ماءً لطاحونة نظام دمشق، وما يمثّلُ إبحاراً ضد تيار إقليمي دولي يرشحُ أنه يتطوّرُ باتجاه حلٍّ دون الأسد، وما يقدّم رفداً لجهد السيدّ حسن نصرالله في اقناع العالم وجمهوره أنه محارب للارهابيين التكفيريين المتمثلين بداعش والنصرة اللذين لا يجد بينهما فرقا يذكر.

في تعقّد المسألة السورية وعبثها، كان مطلوباً، لسبب ما، تقديم رواية الجولاني للملأ لتعبيد الطريق باتجاه سيناريوهات قيّد الاعداد. سيذهب من يقول أن الأمر لا يعدو عن كونه سبقاً صحفياً، جرى مثيله في إطلالات بن لادن والظواهري على نفس المنبر، وقد يلاحظ آخرون أن تسويق خطاب "الجهاديين" وسيلة للترويج لعودة "المعتدلين"، وقد يتشاءم كثيرون في أن المطلوب فقط أن لا نفهم أكثر.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم رامي
الدولة سوريا

مقال ذكي وشفاف يحمل موقفا في زمن فيه كثير من الغموض والخلط كما يشير كاتب المقال.. كنا نود ان نفهم اكثر سر الجولاني.. وربما ان الكاتب كان دقيقا في عدم ادعاء الامساك بمفاصل اللعبهة التي لا تعرفها الاقلام وتدركها غرف العمليات...

2015-06-09

الاسم Toufic
الدولة Lebanon

كما داءما يجعل الكاتب مقاله مدخلا مضاءا\' و شفافا\'، ندخل لنصل مباشرة الى شراكة في الغوص في معلومات عميقة و لكنها ليست كافية للسباحة بأمان الى ضفة الحقيقة المطلقة، مع قاعدة التصرة و مثيلاتها... لا نتوقع غير الغموض و الاختباء خلف ايديولوجيا لا تٌشبع و لا تٌغذي و لا تغني من خطر وج

2015-06-09

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>