First Published: 2015-06-09

مؤتمر باريس والجغرافيا السياسية لداعش

 

ثمة تصريحات أميركية واضحة بأن القضاء على فكر داعش يتطلب عقودا بل أجيال. هذه رؤى أخرى مضمرة، مفادها الدعوة إلى التأقلم والتعايش مع الجغرافيا السياسية التي كرسها داعش في المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

بعد عشرة اشهر من قيام تحالف دولي لمواجهة تنظيم داعش، وجد المتحالفون أنفسهم في مؤتمر باريس مكتوفي الأيدي ومكلومي اللسان، إزاء واقع يصعب غض النظر عنه، أو محاولة التعايش معه، كما عبر عنه العديد من المشاركين.

وفي الحقيقة ثمة أزمة حقيقية تقبع في عقلية وذهنية أصحاب القرار في كيفية مواجهة الجغرافيا السياسية لداعش، وبخاصة ما حدث مؤخرا بعد احتلال الرمادي في العراق وتدمر في سوريا، والتمدد في حلب شمالي سوريا، ما يعني بلغة الجغرافيا السياسية والعسكرية أيضا، أن تمددا بهذا المستوى، يثير جدلا منطقيا حول طبيعة التمدد وأهدافه وتداعياته، سيما وانه عملية وصل لمناطق تبدو صحراوية في المظهر، وعملية فصل في المضمون لساحات أخرى، تشكل جغرافيتها منطلقا لتقسيمات الأمر الواقع مستقبلا.

فالتحالف الدولي الذي نفذ فقط 4100 غارة جوية على العديد من مواقع تنظيم داعش، لم تكن جميعها فعالة وفي جميع مناطق نفوذه، إلا إذا تم استثناء المناطق ذات الوصل والفصل في منطقة كردستان العراق وكوباني سوريا، ما يعني أن مواقع المواجهة، لها دلالتها الخاصة بالنسبة للتحالف، في وقت تبدو فيها العديد من المناطق، كان يمكن للتحالف أن يفعل فعله فيها إذا أراد، ومثال ذلك منطقة تدمر التي اجتاحها داعش في أوقات قياسية، وفي جغرافيا مكشوفة تماما يتحرك فيها بين غرب العراق وشرق سوريا، وربما التبرير الواقعي والعملي لسلوك التحالف، أن مثل هذا التدخل يفيد سوريا بالدرجة الأولى، ولا يشكل خطوة إستراتيجية بالضرورة للتحالف، طالما أن تنظيم داعش في مثل هذه الحالة وغيرها، يشكل فرصة استنزاف لجميع الأطراف في المنطقة، فلما ردعه أو مواجهته تحديدا في الجغرافيا الحالية التي يتمدد بها، وهي وجهة نظر عراقية علت في أجواء المؤتمر، وهي أيضا نتاج تجاذب فرنسي عراقي أميركي متعلق بالتوقيت والأهداف والغايات التكتية للمواجهة. ففيما يطالب العراق بمزيد من الدعم العسكري واللوجستي الدولي، ترى الأطراف القادرة أن ذلك غير متوفر، ربطا ووصلا بالواقع الداخلي العراقي المنقسم أصلا في ظل غياب مصالحة سياسية داخلية لمواجهة أخطار الخارج والداخل، وهو أمر تصر عليه واشنطن وباريس مثلا، على قاعدة الضغط على الحكومة العراقية لإدماج المكونات الأخرى في الدولة كجماعات وليس كأفراد، وهو أمر يثير تبرم وتذمر رئيس الحكومة العراقية الذي ظهر في أكثر من مناسبة وبشكل واضح.

والجغرافيا السياسية التي يمثلها حاليا تنظيم داعش في البيئتين العراقية والسورية، لا تقل أهمية من حيث المبدأ في تداعياتها المحتملة في المستقبل القريب في اتجاهات أخرى، كالأردن ولبنان وحتى في قطاع غزة، كما برز في خلال الأشهر القليلة الماضية من تحركات لها دلالاتها الحساسة، وهي مناطق فيها الكثير من الإغراءات التي تدغدغ التمدد الداعشي، وهي عمليا محيدة اليوم بفعل توازنات إقليمية دقيقة، لا بفعل تعفف داعش أو غيره في فتح ملفات هذه المناطق.

ثمة تجربة دولية سابقة متعلقة بمجلس الأمن تحديدا، الذي أصدر القرار 2170 و2199 المتعلقان بمحاربة داعش، وفيهما الكثير الكثير من المرونة والغنج السياسي في محاربة داعش، وبخاصة القرار 2199، ما فتح أعين داعش على قراءة تراخي المشهد الدولي في مواجهته، ما عزز اندفاعته في غير ساحة إقليمية وتمكن من الاستفادة إلى أقصى الحدود في غير موقع سياسي، بعدما أحكم الجغرافيا في قبضته وبدأ باستغلالها سياسيا.

ربما ظروف كثيرة تجمعت وتقاطعت في مؤتمر باريس، لم تسعف أركانه في الاتفاق على إستراتيجية واضحة، فاكتفى المؤتمر ببيان هو أقرب إلى توصيات سُمعت كثيرا في فترات سابقة، والجديد فيها الإيحاء بتقديم الدعم للعراق بشروط وقيود متعلقة بالشأن العراقي الداخلي، وهي أمور صعبة التحقق في المدى المنظور، الأمر الذي يثير تساؤلات ربما تبدو مشروعة، حول طبيعة التنظيم ومن يدعمه ومن يغذيه، ومن المستفيد منه كحالة تسهم بشكل فعال في استنزاف قوى ومجتمعات المنطقة تمهيدا لجغرافيا سياسية جديدة نجح حتى الآن بتكوين صورها الأولى.

والملفت في هذا كله، تصريحات أميركية واضحة، بأن القضاء على فكر داعش يتطلب عقودا بل أجيال، ورغم صحته ولو نسبيا، إلا انه يخفي رؤى أخرى مضمرة، مفادها الدعوة إلى التأقلم والتعايش مع الجغرافيا السياسية التي كرسها داعش في المنطقة، ويبدو أننا نحن العرب تلقفنا هذه الدعوة الأميركية، وبدأنا نستسلم لها شيئا فشيئا، وهو أمر له سوابق في السلوك والذهن العربيين، فقد أطلقنا لاءاتنا المعروفة في الخرطوم ضد إسرائيل، واليوم بدأنا نستسلم لنتأقلم ونتعايش مع إسرائيل، فهل سيكرس العرب هذه السابقة أيضا مع داعش؟ أنها فعلا مهزلة العرب، وهم كالذي ظل يكذب ويكذب ويكذب حتى صدق ما كذب ومشى به.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
المزيد

 
>>