First Published: 2015-06-11

الإسلام الاندونيسي!

 

التطرف من أكثر المخاطر التي يمكن أن تهز عرش الوحدة والتسامح في اندونيسيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

قد يرى البعض أن البعد الجغرافي بين الدول، دليل كاف على تباعد المسافات السياسية والإنسانية بين الشعوب، أو مؤشر على عدم الاكتراث بتطوير العلاقات، لكن هذا الاعتقاد من السهل دحضه في حالة مصر واندونيسيا.

مع أن المسافة بينهما تتجاوز آلاف الكيلومترات، والانتقال من القاهرة إلى جاكرتا يحتاج إلى نحو عشرين ساعة بالطائرة، إلا أنك عندما تطأ أقدامك العاصمة جاكرتا لا تشعر إطلاقا بالاغتراب، بسبب التشابه الكبير بين مصر واندونيسيا في كثير من الصفات الاجتماعية.

كانت هذه الملاحظة الأولية مفتاحا لكثير من المشاهدات والحوارات خلال زيارتي لهذا البلد، فأينما ذهبت وجدت مصر أمامي، بدءا من خريجي جامعة الأزهر الذين يحتفظون بميراث ممتاز عن المؤسسة والدولة، وحتى زحام السيارات في الشوارع، ومرورا بالتاريخ الطويل من الهموم المشتركة، الأمر الذي أصبح ركيزة أساسية لتطوير الروابط في مجالات متعددة خلال المرحلة المقبلة.

لم ألتق مسئولا كبيرا أو صغيرا، عالم أو مواطن بسيط، إلا ووجدت أحد خريجي الأزهر يتقدم نحوي بحفاوة بالغة، ويحكي جانبا من ذكرياته الإيجابية في مصر، ولم أحضر ندوة إلا ووجدت مترجما من الاندونيسية للعربية أو العكس من خريجي الأزهر أيضا، وقتها أدركت حجم الخطأ الذي يرتكبه بعض الزملاء الذين هاجموا دور هذه المؤسسة العريقة، التي يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز مكانة مصر على خريطة الدول الإسلامية، إذا جرت الاستفادة من خريجيها بصورة جيدة.

أهمية هذه الزاوية، تنبع من الرغبة التي لمستها من مسئولين ونخب في جهات مختلفة، يتوقون إلى توثيق العلاقات الرسمية والشعبية مع الأزهر، خاصة أن اندونيسيا أكبر دولة في العالم تسكنها أغلبية مسلمة، وبنت حضارة فريدة من نوعها، لها خصائص متميزة، منها الانفتاح والتسامح، فمسلمو اندونيسيا كانوا، عبر تاريخهم الطويل مسالمين ومتسامحين، وينظرون إلى تنوع الثقافات والتقاليد المحلية والعالمية وتعددها كإحدى المسلمات في الحياة الإنسانية، بل كانوا (ولا يزالون) يُطورون آليات ثقافية لاختيار القيم الجديدة والوافدة نحو إثراء حضارتهم الوطنية والإسلامية كذلك.

تبدو قيم المحبة واضحة، حيث يعتقد غالبية الشعب الاندونيسي أن الأخلاق عموما أساسها إنقاذ البشر من الضلال إلى الحياة السليمة، من هنا كان الاختلاف في مظاهر التدين التي تتنوع طبيعتها من دين إلى آخر، وتتبلور القيم الإسلامية في الثقافات والتقاليد المحلية، فتنوع مظاهر الثقافة هناك، وإن كانت محلية بالدرجة الأولى، إلا أنها نابعة من القيم الإسلامية الراسخة في حياة المواطنين، ويتجلى ذلك واضحا من خلال المبادئ الخمسة لدولة إندونيسيا المسماة بـ PANCA SILA، وهي توحيد الإله والإنسانية والعدالة والوحدة الوطنية والشورى.

هذه الخصوصية جعلتهم ينحتون عبارة "الإسلام الاندونيسي"، الأمر الذي تحفظ عليه بشدة الدكتور عبدالمنعم فؤاد عميد كلية الدراسات الإسلامية للوافدين، وطالبهم بتغيير هذا العنوان إلى "الإسلام في اندونيسيا"، فقد تكون هناك سمات خاصة لبلد تختلف عن بلد آخر، لكن في النهاية الإسلام واحد في جميع دول العالم، وهو ما أقر به كبار قيادات جمعية "نهضة العلماء" التي ينضوي تحت لوائها نحو سبعين مليون مسلم في اندونيسيا.

يصعب أن تذهب إلى اندونيسيا دون أن تتوقف عند الدور العلمي والفكري والسياسي الذي تقوم به "نهضة العلماء"، والتي تم تأسيسها في يناير 1926 بهدف إقامة التعاليم الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة وسط المجتمعات الاندونيسية، ولعبت أدوارا كبيرة منذ نشأتها، وكان ذروة صعودها السياسي نجاح أحد أهم أعضائها في الانتخابات الرئاسية، وهو الرئيس عبدالرحمن وحيد الذي تولى السلطة خلال فترة قصيرة من 1999-2001، وتسيطر الآن على نحو 20 في المائة من مقاعد البرلمان، ولها ست من الوزراء في الحكومة الحالية، وينتمي إليها يوسف كالا نائب الرئيس الاندونيسي (جوكو).

الناظر إلى "نهضة العلماء" يحتار في توصيفها، هل هي جمعية دعوية، أم سياسية، أم الاثنين معا؟

الحقيقة أن متابعة الخطاب الذي يتبناه الكثير من قيادات الجمعية، يتأكد أنها تجمع بين الاثنين معا، وربما يتقدم السياسي على الدعوي في أوقات كثيرة، وتستخدم ترسيخ مفاهيم وقيم التسامح والاعتدال وفقا للنموذج الاندونيسي، كمدخل لتوسيع نطاق دورها السياسي، ليتجاوز البعد المحلي إلى العالمي، مستفيدة من حالة الفراغ، بسبب تزايد النقمة ضد التشدد الذي يسيطر على عدد كبير من التيارات الإسلامية، والغضب الذي يوجه إلى صدر جماعة الإخوان المسلمين التي فشلت في جميع تجاربها السياسية.

الحاصل أن الجمعية تحارب الآن على هاتين الجبهتين، فهي تخوض معركة قاسية ضد التيار المتشدد الذي بدأ يتسلل إلى اندونيسيا، ويخترق بعض القطاعات الشبابية، ويكفي أن هناك نحو 700 مواطن اندونيسي في عداد المنضمين إلى تنظيم داعش، حتى أصبح التطرف من أكثر المخاطر التي يمكن أن تهز عرش الوحدة والتسامح في اندونيسيا، لذلك يبذل أعضاء الجمعية جهودا مضنية لمنع انتشار غول التشدد، ومحاصرته من خلال التوسع في نشر القيم الجامعة المعروفة لـ"الإسلام الاندونيسي".

أما الجبهة الثانية، تلك التي يمثلها حزب "العدالة والرفاهية" الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اندونيسيا، التي تفتقر للقاعدة الشعبية، ومع أن الثقل المعنوي والمادي يميل ناحية نهضة العلماء، إلا أن الإخوان يحتفظون بأذرع وامتدادات خارجية، ضاعفت من المصاعب أمام "نهضة العلماء"، حيث وجدت نفسها في مواجهة مشروعات سياسية تقف خلفها دول عربية وإسلامية.

الأمر الذي لم تتوان الجمعية عن مواجهته، وأضحت عملية التصدي للمفاهيم الراديكالية واحدة من التحديات الصعبة للحفاظ على الوجه المتسامح لاندونيسيا، الذي يعد ركيزة رئيسية للمسلمين هناك، اكتسبوها منذ عشرات السنين، ولن يفرطوا فيها، لأنها تميزهم عن غيرهم، وتمنحهم خصوصية مثيرة للانتباه، وقد ساهم السعي لترسيخها في توسيع القاعدة الجماهيرية للجمعية، بصورة انعكست في شكل مكاسب سياسية.

الدور المهم الذي تقوم به الجمعية ينبع من نجاحها كحلقة وصل بين الحكومة والشعب، وبإمكانها القيام بدور المصلح بين الجانبين، بحكم ثقلها ووزنها الشعبي والسياسي والروحي أيضا، والذي يجمع بين احترام الإسلام والثقافات المحلية المختلفة، لذلك درجت على عدم التفريط في مضمون "الإسلام الاندونيسي" الذي تريد تصديره كنموذج للعالم.

 

محمد أبو الفضل

الاسم نصير
الدولة فرنسا

تحتاج الي مئة عام لتصل الي مستوى اندونيسيا مع ان اندونيسيا متخلفة عن ستغاقورة وماليزيا وكوريا الحنوبية وجاكرتا انظوف من القاهرة مع انها مزدحمة مثل القاهرة

2015-06-14

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>