First Published: 2015-06-12

سوريا: محاولة لفهم موقف مصر!

 

يعبّر الاعلام المصري عن نظرة تبسيطية للأزمة في سوريا، بما يتناسب مع ضوابط اللعبة الداخلية المصرية. وفي ما تخطّه الإقلام وتصدحُ به الحناجر ما ينافي المعرفة التي يُفترضُ أن يتمتعَ بها بلد يزعم تاريخاً عتيقاً مشتركاً مع سوريا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يترددُ في القاهرة أن سوريا تمثّل تاريخياً خطَّ دفاع متّصل بالأمن الاستراتيحي المصري، وأن لمصرَ علاقات تاريخية مع سوريا منذ ما قبل محمد علي باشا إلى ما بعد جمال عبدالناصر، وأن تجربة الوحدة بين مصر وسوريا هي دليل آخر على الأهمية التي ما برحت القاهرة تعوّلها على العامل السوري.

بيد أن ما هو نظريٌّ يُتخم السطور وتضجُّ به الأبواق، يصطدمُ بواقع جيوستراتيجي يعبّر عن مزاجين مختلفين، ويُفرجُ عن خطين بيانيين لم يلتقيا منذ أن سكتت الجبهة المصرية قبل السورية في حرب عام 1973.

وعلى الرغم من استناد النظام السياسي العربي في مرحلة سابقة على المثلث السعودي المصري السوري على تباين أضلاعه، فإن القاهرة (في عهديّ السادات ومبارك) ودمشق (في عهديّ الأسد الأب والإبن) لعبتا وفق معايير ومسلمات وقواعد متناقضة متباعدة. وإذا ما كان صدامُ البلدين مرناً لا يقارن بصدامِ دمشق وبغداد في عهد صدام حسين، أو صدام دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فذلك سببه جغرافيٌّ لصيقٌ بتباعد الطرفين الميداني، وسببه الآخر تلك الانعزالية المصرية التي تبنتها القاهرة، وساهم بها العرب، منذ كامب ديفيد، والتي أتاحت لسوريا وغيرها اللعب المريح في الملاعب المتاحة.

لم تعدْ سوريا مجالاً يرتبطُ بالأمن الاستراتيجي لمصر، والقول بغير ذلك مزاعم تُشبعُ فصاحةً مملة تنمتي إلى عصر بائد. مارست دمشق سياساتها بعيداً عن أذواق القاهرة. سطت دمشق على قرار بيروت ولم تأبه لصرخة السادات الشهيرة "إرفعوا أيديكم عن لبنان". لم تشعر مصر أن أمنها مهددٌ حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 وأطلت قوات آرييل شارون على دمشق، ولم تقلق على ذلك الأمن حين وقفت سوريا مع طهران في حربها ضد بغداد (1980-1988).

وبغضّ النظر عن تبريرات القوميين العرب والمناضلين الأبديين من أجل الوحدة العربية، فقد أثبت فشل الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961) هراء خلط الزيت بالماء، وأن البلدين يمثّلان شعبين وثقافتين وتاريخيين ومزاجين واسلوبيّ عيش وتفكير يحملان في أحشائهما مواطن تناقض لا تتيحُ تكاملاً ولا اندماج.

وما كان بين مصر وسوريا أيام محمد علي باشا تمّ بالسيف والتسلّط، الذي زال بزوال عوامل القوة. وما كان بينهما أيام جمال عبدالناصر تمّ من خلال غرائز العاطفة والحماسة التي سرعان ما أطاحت بها ديناميات العقل.

فهمَ عبد الناصر حقيقةَ هذه المعادلة منذ الانفصال، وتبنى السادات ومبارك، من بعده، ذلك الاستنتاج. أضحت علاقات البلدين عرضةً للمدِّ والجزر، فلا يتأثرُ الأمن الإستراتيجي لمصر بخيارات دمشق، ولا يرتبك مزاج النظام السوري بما تحمله خيارات القاهرة. بل أن دمشق، ما قبل اندلاع الأزمة عام 2011، صارت تمتلك داخل مصر، بإسم الممانعة والصمود والتصدي وباقي الجوقة الأبجدية، شخصيات وتيارات وأحزاب تحابي نظام الأسد وتناصره، وهو تطوّر لم تحظ به القاهرة داخل سوريا.

على أرضية هذه المفارقة تطلُّ القاهرة هذه الأيام على الأزمة السورية محاولة الإدلاء بدلوها في ملف شديد الخصوصية والتعقيد. وإذا كان من واجب دولة محورية كبرى كمصر أن يكون لها دورٌ أساسي، لطالما كان منتظراً، في شؤون المنطقة العربية، إلا أن للمراقب أن يتساءل عما تمتلكه مصر من نفوذ داخل سوريا تستعين به في مسعاها، ليس فقط في قلب البركان الحالي، بل في ما قبل ذلك أيضاً.

تقتربُ القاهرة من الأزمة السورية وفق روحية تنشدُ الغموض الدائم. تلعبُ مصر على رقعة يلعبُ عليها الخصوم والحلفاء، فتروح برمادية عجيبة مضجّرة تروم اجتياز حقول الألغام دون أن تصطدم بخصم أو تحرج صديقاً. تترجلُ القاهرة داخل الوحل السوري دون مشروع واضح حازم يحمل أجندة مصالح جلية. فإذا ما كان للثلاثي السعودي القطري التركي مشروع، ولإيران وروسيا مشروع، وللفصائل المعارضة على تنوعها مشروع، فماذا تملك القاهرة حتى يكون لها مشروع؟

وحتى إذا ما أهملنا ما ترددَ عن تواصل (أمني ودبلوماسي) ما بين القاهرة ودمشق، وعن تردد مقربين من نظام دمشق على العاصمة المصرية، فإن أدوات المقاربة المصرية (لا سيما في مسألة هويات الجهات المعارضة المتجاهلة لهويات أخرى يتعامل معها العالم)، يكشفُ ارتباكاً في الامساك بالملف أو محاولة الولوج داخله، كما أن لعب دور الواعظ الوسيط لا تأثير له في ساحة يخترقها النفوذ الاقليمي الدولي، بمعناه المالي واللوجيستي والتسليحي، إلا إذا كانت مصر تلعبُ دوراً مكمّلاً لجهات تملك هذا النفوذ داخل سوريا.

مصر صديقة السعودية وحليفتها في الحملة اليمنية. وإذا ما كان موقف الرياض واضحاً في السعي لإخراج الأسد، على ما كرره وزير خارجية السعودية عادل الجبير في القاهرة نفسها، فهل يذهب السعيّ المصري هذا المذهب؟ ومصر صديقة لروسيا، على ما برح اللسان الرسمي يؤكد، وعلى ما تُفرجُ عنه زيارات زعيميّ البلدين المتبادلة وما أُبرم من اتفاقات بينهما، فهل تذهب القاهرة مذهب موسكو في الدفاع عن الأسد؟ وإذا ما كانت القاهرة تملكُ مقاربة ثالثة، فما هي أدوات تلك المقاربة في الداخل السوري، وهل تاخذ في الحسبان خرائط الصراع وفصائله وتياراته، وهل من ارتباط ما، متوفر أو كامن أو مستشرف، بين مداولات القاهرة ومزاج المتصارعين في الميدان؟

على أن ارتباك الموقف المصري ووهن دينامياته يتأسسُ على رأي نُخبٍ تريده نقيضاً لموقف مصر إزاء الأزمة المصرية في ظل رئاسة محمد مرسي وسطوة الاخوان المسلمين. يعبّر الاعلام المصري عن نظرة تبسيطية، تكادُ تكون استشراقية للأزمة في سوريا، بما يتناسب مع ضوابط اللعبة الداخلية المصرية. وفي ما تخطّه الإقلام وتصدحُ به الحناجر ما ينافي المعرفة التي يُفترضُ أن يتمتعَ بها بلد يزعم تاريخاً عتيقاً مشتركاً مع سوريا، ذلك أن لبّ ما يقال ينضحُ بارتجال وتسرّع وانفعالية، وكثير من الشعبوية، وهو ما لا يليقُ باستراتيجيات ترددُ أن سوريا جزءٌ من الأمن القومي المصري.

قد تعتبُ المعارضة السورية على ما تعتبره موقفاً مصرياً غامضا، يكاد يكون، في "تفهمه" لنظام دمشق، متواطئا بشكل من الأشكال مع سلوك الأسد. وقد يؤخذ ُ على هذه المعارضة، أيضاً، أنها تقيسُ موقف القاهرة وفق معايير سورية معارضة لا تأخذ بالاعتبار هواجس مصر ومصالحها. لكن المفارقةَ التاريخية أن المصريين قاموا بثورة أطاحت بنظام مبارك الذي لا يقارن سلوك نظامه بما اقترفه نظام دمشق في عهد الرئيس الأب وما يقترف حالياً في عهد الرئيس الإبن، ومع ذلك فإن الرأي العام المتناسل من حراكي "25 يناير" و"30 يونيو" في مصر يقفُ موقفا ملتبساً بشأن الثورة في سوريا.

ولئن ارتكز الموقفُ المصري على رفض للإسلام السياسي والجماعات "الجهادية" بمسمياتها المختلفة، فإن موقف أبوظبي، حليفة القاهرة، يستندُ على هذه المسلمات أيضاً، لكن ما تعبّر عنه حيال المأساة السورية واضح في إدانته للنظام ورفض التعامل معه، على ما كرر وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد في موسكو مؤخراً من أن ما يفعله نظام دمشق "جعل من المستحيل التعاون معه" (هل يجب تكرار أن هذا الكلام قيل في موسكو؟)

تتفقُ القاهرة والرياض (حسب المؤتمر الصحافي المشترك لوزيريّ خارجية البلدين في القاهرة) على أن الحلَّ في سوريا تجاوزَ مصير الأسد، وأن مدخل ذلك الحلّ هو رحيله. لكن العاصمة المصرية تستضيفُ مؤتمرا لمعارضة سورية لا تشبه تلك التي سيستضيفها مؤتمرٌ آخر في الرياض. في مضمون المؤتمرين ما ينذرُ بمخارج مختلفة وقد تكون مضادة، أهمها القبول أو عدم القبول ببقاء الأسد. وفي شكل المؤتمرين ما قد يسوق إلى تكامل ما بين سعيّ السعودية وجهد مصر، وهذا تنجيم لا يستقيم مع السياسة.

من الصعب استشراف مآلات الورشة المصرية في الملف السوري، ذلك أن ما قد يصدرُ من الرياض أو من أيٍ من العواصم الإقليمية والدولية المعنية مباشرة بالأزمة السورية يمكن توقّعه والمغامرة في استشرافه، فيما أن ما يجول في ذهن القاهرة في الشأن المصري عصيّ على القراءة بما لا يتّسقُّ مع أبجديات السياسة الخارجية لدولة بحجم مصر التاريخي والجيوسياسي. وإذا ما كانت الهمومُ الداخلية المصرية تكبّل اليد المصرية في إطلاق ديناميات فعل قوية في الخارج، بما في ذلك في سوريا، فربما حريّ أن تقتنع القاهرة إن إزالة العبث الإرهابي في المنطقة، وفي سوريا، والذي يطلّ على الداخل المصري، يستوجب إزالة أسباب العلّة التي استدرجت ذلك.

ربما من حقّ القاهرة أن تسعى وتجهدَ لإقامة نظام في سوريا ما بعد الأسد لا يعطّلُ مصالحها أو يناقضُ نظامها. في ذلك ما هو منطقيٌّ، وربما في اقتناع القاهرة جدياً بمقاربة حلول تنهي حكم الأسد، ما يمكن أن يجعلَ من همّتها تمريناً ناجعاً يلفت السوريين معارضة ومؤيدين للنظام، ويلفت اللاعبين الإقليمين الدوليين. قد لا تملكُ مصر نفوذاً مباشراً في الميدان السوري، لكنها تملك أنها لم تكن، بحكم ظروفها ربما، شريكاً في مطحنة الدم والنار في هذا البلد. وهذا ما قد يجعلها، يوماً ما، طرفاً مقبولاً يحظى باجماع لا يحظى به الآخرون.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم مصطفى
الدولة مصر

موضوع رائع وجميل الم بكثير من الاشياء ولكن نحن كمصريين لا نريد اسقاط سوريا فى وحل الارهاب ونحن ايضا لا نعرف ما ستؤول الية الامور فى حال سقوط بشار لا نعرف من سيأتى من الممكن ان يأتى الارهابيون على السلطة وهو خطر على دول الجوار وليس مصر ولكن نحن يهمنا فى المقام الاول الشعب السور...

2015-10-10

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

صحيح ان صبغة القومية انطبعت بين سوريا ومصر لفترات بيد فات مصر ا

2015-06-14

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>