First Published: 2015-06-16

زمن الكتائب

 

لا يملك حزب الكتائب اليوم القدرة سوى على أن يضع ماضيه على حائط الذكريات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا يتملكني الحنين إلى زمن لم أر منه إلا وجهه المعتم وأمسك بي نحسه ليسلمني أحيانا إلى ذكريات مشؤومة، لكن طقسا فلكلوريا مثل ذلك الذي شهده بيت الكتائب في الاشرفية ببيروت من أجل أن تبقى قيادة حزب الكتائب اللبنانية في بيت الجميل بإعتبارها إرثا عائليا جعلني أفكر بطريقة مواربة في الزمن اللبناني الذي كان يوما ما في جزء مهم منه مرآة لزمن الكتائب.

الوراثة السياسية ليست مشكلة في لبنان، فهو بلد تحكمه العوائل. وهي العوائل التي غالبا ما تقف في أعلى السلم الطائفي لإسباب تاريخية أو اقتصادية أو اجتماعية، وغالبا ما كانت تلك الاسباب تختلط بالعقائد التي صارت اليوم أكثر مرونة مما كانت عليه في أوقات سابقة، باستثناء حزب الله الذي يبدو في أحيان كثيرة مغرورا ومتعاليا ومتجهما، بالرغم من ادعاءات زعيمه بالانفتاح.

لقد انتقلت قيادة حزب الكتائب إلى النائب سامي الجميل الذي هو نجل امين الجميل الذي كان رئيسا للبنان في ثمانينات القرن العشرين وهو نجل مؤسس الحزب بيار الجميل. وهكذا تحافظ السلالة على موقعها الأول في الحزب الذي كان قبل أربعين سنة يحتل مكانا مهما على الخارطة السياسية وله تأثير لافت على ميزان القوى في بلد ضعيف مثل لبنان.

غير أن مَن يكتفي بالنظر إلى حاضر لبنان لا بد أن أن يشفق على الجميل الحفيد وهو يراه محمولا على الاكتاف مزهوا بإنتصاره. فالحزب الذي صار الرجل زعيمه لا يشكل إلا ثنية صغيرة وغير مرئية في ثوب الحاضر السياسي في لبنان.

لا يملك حزب الكتائب اليوم القدرة سوى على أن يضع ماضيه على حائط الذكريات. وهي ذكريات لن يكون الجزء الأكبر منها سارا بالنسبة للبنانيين، المسلمين منهم بالذات. ومن المؤكد أن ذلك الشعور سيشمل شرائح من المسيحيين الذين ينظرون إلى ماضي الحزب الذي زعم مؤسسه بإنه يمثلهم بغضب وقرف.

لقد انتهى الحزب حقيقة يوم بدأت الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 وكان هو مشعل حريقها الأول. كانت كراهية الفلسطينيين قد تمكنت يومها من بيار الجميل وعدد من قيادات الكتائب فإنتشرت بين قواعده وكانت حادثة عين الرمانة مجرد ذريعة لإعلان تلك الكراهية، بطريقة لم يكن مخططا لها.

لذلك يمكننا القول أن الحرب التي أشعل حزب الكتائب شرارتها لم تكن خيارا لبنانيا خالصا. كان حزب الكتائب يومها طرفا مهما في المعادلة الوطنية اللبنانية وإن طغت لغة الانعزال على خطابه السياسي. وكما يبدو فإن الحرب التي دخلها الحزب مختارا قد أفقدته بسرعة قدرته على المناورة داخل تلك المعادلة فخرج منها متبنيا الخيار الاسرائيلي الذي نتج عنه بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1984 صعود بشير الجميل إلى الرئاسة وهو المنصب الذي لم يهنأ به إذ تم اغتياله من قبل مسيحي قبل أن يباشر مهمامه رئيسا.

ولكن أكانت مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 ضرورية لكي يخرج حزب الكتائب مهزوما لا من الحرب الاهلية بل من التاريخ السياسي اللبناني؟

لقد مكنت القوات الاسرائيلية الكتائبيين من تنفيذ تلك المجزرة. هذا صحيح. العجز العربي عن مواجهة ما جرى للبنان من غزو واجتياح ولبيروت من حصار كان هو الآخر مصدرا للتشجيع. هذا صحيح. ولكن ماذا عن قيادة الكتائب، ألم تفكر بما تبقى من شرف للمسحيين الذين تدعي أنها دخلت الحرب من أجل حمايتهم؟

كان الحزب يومها قد خان المسيحيين أولا ومن بعدهم اللبنانيين.

بعد كل هذا التاريخ، يمكننا القول إن مخيمي صبرا وشاتيلا قد هزما حزب الكتائب وحولاه إلى ركام تاريخي لا يشرف سامي الجميل أن يقف فوقه.

كان على امين الجميل وهو رجل عاقل أن يبلغ ابنه أن زمن الكتائب كان قد انتهى يوم كان ذلك الابن طفلا يحبو.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>