First Published: 2015-06-18

إصلاح الأزهر أم هدمه؟

 

على الأزهر أن يبدأ مهمة الإصلاح من داخله، ويطور أدواته وينهض بمسئوليته التاريخية في لحظة مفصلية من عمر الدولة المصرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

تبدو مؤسسة الأزهر مثل غيرها من المؤسسات المصرية، التي تعرضت خلال الفترة الماضية لقدر كبير من التهميش والتآكل، بعضها عن عمد وغالبيتها عن جهل، لخدمة أغراض وجهات معينة، داخل مصر وخارجها، بالتالي حدوث نقلة نوعية في هذه المؤسسة من الصعوبة بدون تحسن أداء الهياكل الرئيسية في الدولة، والتي لم تصبح أولوية بعد، ولا تزال بحاجة لمشروع طموح يشعرنا بوجود إرادة حقيقية للتطوير.

لكن إلى حين الوصول لهذه الأمنية الغالية، أتعجب ممن حملوا الأزهر الشريف وحده كل الشرور الدينية والدنيوية، وكالوا على شيوخه التراب، ولم يتوقفوا لحظة عند الأسباب التي أفضت إلى التدهور الحاصل، ليس فقط في دور الأزهر، بل في أدوار كل المؤسسات وفي مجالات مختلفة، ولم يطالبوا بهدمها كما طالبوا بهدمه وإنهاء رسالته الدينية، لأنه سقط في الاختبار، بسبب صعود تيار من المتشددين، مع أن هناك جهات كثيرة رسبت في جميع الاختبارات، بما أدى إلى نتائج كارثية.

الفرق الأساسي أن الأزهر أكثر استهدافا من غيره، لأنه يفتقر إلى الأدوات الكافية للرد والصد، ويفضل المسئولون عنه التزام الصمت، الأمر الذي تصوره البعض ضعفا وجبنا، فتجرأوا على مزيد من العدوان. كما أن ثمة من تعمد التطاول عليه من أجل الحصول على بطولة معنوية هنا أو عائد مادي من هناك، خاصة أنه يدرك مسبقا عدم التصدي له بالحجة والموعظة، والبعض تطوع أو قبل بدور رأس الحربة، خدمة لأهداف خفية، منها ما يصب في صالح دوائر محلية، ترى ضرورة مواصلة التكسير في عظام الأزهر، لأنه لا يزال مؤسسة قادرة على وقف زحف بعض المشروعات السياسية والدينية.

ومنها ما يصب في صالح جهات خارجية، تعتقد أن هذه المؤسسة العريقة تمثل عقبة كبيرة في طريق طموحها لقيادة العالم، بالتالي من الواجب عدم التوقف عن التنغيص عليها، لتنكب على همومها، ولا تتفرغ لدورها الإقليمي والدولي، لذلك تستفيد من النيران التي تشتعل في ثوب الأزهر، وتجني ثمارا كثيرة من وراء إغراقه في جرعات متتالية من المشاحنات الجانبية، فلا يستطيع إصلاح ما أفسده الدهر والجهل، ولن يتمكن من الالتفات إلى طبيعة التطورات التي تجري على الساحة العالمية، وأدت حصيلتها إلى صعود تيارات متطرفة، حمل البعض الأزهر مسئولية جرائمها، وظهور جماعات تلتحف برداء الاعتدال، أملا في قنص الرسالة التي من المفروض أن يقوم بها الأزهر.

حديثي السابق لا يحمل مبالغة، ولا ينطوي على مجاملة، ولا أعرف هل من دخلوا في معارك خشبية أو ذهبية مع الأزهر يدركون حجم الدور الذي يلعبه في خدمة الأمن القومي المصري، قبل أن يكون خدمة للإسلام، لأن هذا الدين له رب يحميه؟

أعتقد أن عددا كبيرا ممن هاجموه، أوحت تصرفاتهم بالحض على خلق كيانات موازية، وطالبوا بقصف رقاب شيوخه بحسن نية، الصالح منهم والطالح، لا يعرفون الدور الحقيقي الذي يلعبه خريجو هذه المؤسسة في بلدان مختلفة، خاصة في أفريقيا وآسيا، حيث أصبحوا رصيدا للقوة المصرية، ويتعطشون إلى رائحة الأزهر، ويكرمون كل من يأتي من بلد الأزهر، ولو تم توظيف هذه العاطفة بصورة سياسية واقتصادية وثقافية كبيرة، كنا قد حققنا نجاحات متعددة، وأوقفنا زحف بعض التوجهات المناوئة، مع ذلك لا تزال الفرصة سانحة لاستثمار الطاقات الكامنة في شيوخ وخريجي ومبعوثي هذه المؤسسة، لأن الفترة المقبلة من المتوقع أن تظهر فيها معارك جديدة، تدور رحاها حول من يتصدر مشهد الإسلام الوسطي.

وهو الأمر الذي يستوجب وقف عمليات الهدم المنظمة والعشوائية التي تجري الآن، والاستفادة من الميراث الإيجابي الذي خلفه الأزهر، وقوته الناعمة المنتشرة في أنحاء مختلفة، والسعي إلى إصلاحه لتتناسب مهمته مع طبيعة التحديات القادمة، حيث تقوم دول غربية بتشجيع بعض الجهات الإسلامية التي تنحدر من أصول أسيوية، وتتسم بصفات تشي بالتسامح والاعتدال، لتكون واجهة دولية مرنة للإسلام، تتمكن من سد الفراغ الراهن، عقب التيقن من فشل المشروع السياسي للإخوان، الذي لقي مساندة غربية منذ فترة، باعتباره يتبنى طروحات معتدلة.

كذلك ثمة حاجة إلى اللجوء إلى فضاء جديد، في خضم تزايد معدلات التطرف بطريقة مثيرة، والتأكد من خروج معظم التيارات المتشددة من رحم الجماعة، ما فرض وجود حاجة ماسة لبديل، يمكن تسويقه على أنه وجه حضاري للإسلام، بشكل يتسق مع جزء معتبر من منظومة القيم السائدة في الغرب، ويمكنه وقف زحف غول التطرف الذي تتبناه جماعات سلفية متنامية، ربما يهدد انتشارها تماسك بعض الكيانات الأوروبية.

إذا كان من هاجموا الأزهر بغرض الهدم والتشكيك في دوره التنويري، أو للخصم من القوة الناعمة المصرية، فمن الصعوبة أن يحققوا هدفهم، فقد تعرض على مدار تاريخه، الذي يمتد لأكثر من ألف عام، لحلقات أشد ضراوة ونجح في الإفلات من براثنها، كما أن هناك تقديرا حقيقيا من قبل الدولة وإصرارا على يلعب دورا محوريا في عملية تجديد الخطاب الديني، ولم تقلل الانتقادات والاتهامات من رصيده كبوابة أو رمز للاعتدال والتسامح الإسلامي.

وإذا كان من هاجموه هدفهم الإصلاح، فعليهم أن يثبتوا حسن نواياهم، ويقدموا مجموعة من الأفكار التي تخدم هذه المهمة الوطنية، بما يتواءم مع التطورات الحالية في البيئة المحلية، التي تعاني من خطاب شوفيني يحرض على التطرف، بشكل يفوق النتائج التي ترتبت على الأخطاء الناجمة عن تصورات وممارسات ارتكبها ممثلو الأزهر، ويتواكب مع المعطيات التي تجري بسرعة على المستوى العالمي، قبل أن يأتي يوم ونجد أن نموذج "الإسلام الاندونيسي" مثلا ينتشر ويحتذى به في العالم، ويتوارى دور الأزهر، وتسقط من يد مصر واحدة من أوراقها الناعمة القوية، لذلك من الواجب أن نبحث عن الإصلاح ونتوقف عن الهدم.

وعلى الأزهر أن يبدأ مهمة الإصلاح من داخله، ويطور أدواته وينهض بمسئوليته التاريخية في لحظة مفصلية من عمر الدولة المصرية، وينحي بعض شيوخه من المحسوبين على تيارات متشددة.

 

محمد أبو الفضل

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنف

الازهر كان ولايزال وسيكون دوما مزهرا

2015-06-20

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>