First Published: 2015-06-20

التداعيات الكردية للانتخابات البرلمانية التركية

 

سقوط برامج حزب العدالة والتنمية، انهى عمليا حلم السلطنة العثمانية، وأعاد رسم خرائط سياسية جديدة في الداخل التركي لمصلحة التعددية السياسية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

ربما ستقف تركيا مرة جديدة على مفترق طرق، بفعل ما آلت إليه الانتخابات، وما يمكن أن تؤول إليه التحالفات في التركيبة الجديدة، خاصة وان حزب العدالة والتنمية علق آمالا كبيرة على فوز ساحق يتيح لرئيسه حكم تركيا بنظام رئاسي، وبصورة سلطان يعيد عثمانية ليبرالية تعمم على منطقة شرق أوسطية، تشهد غليان وفراغ في الأنظمة والمجتمعات، وتنتظر ما يُفصل لها من لبوس لأنظمة سياسية فشلت في العديد من الدول العربية كنموذج مصر مثلا.

في المحصلة، سقط مشروع رجب طيب أردوغان، وبات عليه أما التحالف مع خصوم ليس من السهل معهم تمرير سياساته المعهودة خلال ثلاثة عشر عاما، والتي انطلقت من صفر مشاكل وانتهت بعداءات لا ولا تُعد ولا تُحصى، وإما استعمال حقه الدستوري لاحقا، إذا ما فشل حزبه في تشكيل حكومة ائتلافية، بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، وفي كلا الحالتين ثمة صفعة قوية لسياسات حزب العدالة والتنمية أولا، وضربة قاضية لمستقبل أردوغان السياسي، بعدما رسم في عقله الباطني إمبراطورية افتراضية سعى لتظهيرها ولو على حساب شرائح واسعة في المجتمع التركي، وعلى حسابات دقيقة رُسمت سابقا في السياسات الخارجية منذ عهد الجمهورية الأولى في العام 1923.

إلا أن المفارقة الأبرز في هذه الانتخابات فوز الأكراد بنسبة أتاحت لهم ليس دخول البرلمان فحسب، وإنما إمكانية التأثير القوي في إي ائتلاف حكومي مفترض، وهي سابقة مدوية في الحياة السياسية التركية، لما لها من تداعيات داخلية وخارجية، وبخاصة الدول التي تتقاسم وإياها القضية الكردية، كالعراق وسوريا وإيران، وهي معضلة لم تتمكن يوما الحكومات التركية المتعاقبة من إيجاد مقاربة موضوعية للمشكلة، إن كان في الداخل أم في الخارج؛ علاوة على أن التدقيق في نتائج الفوز الكردي في بعض المناطق الانتخابية، يظهر دلالات جدية على تغير السلوك السياسي الكردي في تعاطيه مع قضاياهم في تركيا آو خارجها، بخاصة أن قسم كبير من المقترعين، كانوا سابقا في سلة حزب العدالة والتنمية تحديدا، الأمر الذي يؤشر على مزاج مختلف ومن نوع تصاعدي في مقاربة الأمور مع أي حكومة مقبلة.

فحزب الشعوب الديموقراطي، الذي شكّل تحديا حقيقيا لسياسات أردوغان منذ العام 2012، والذي اعتبر الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، انطلق من برامج خاصة إلى برامج عامة تهم شرائح متنوعة في المجتمع التركي، وتظّهر مزاج عام في السياسات الخارجية وبخاصة تجاه القضية الكردية في الداخل التركي وخارجها، فمن المؤكد انه سيعيد رسم سياسات مغايرة على الصعيد الخارجي، سيما وان ما شهدته منطقة كوباني في شمال سوريا، وما وصلت إليه مكونات الدولة في كوردستان العراق، ستسهم بشكل آو بآخر في اتجاهين أساسيين، الأول يتعلق بوضع الأكراد في الداخل التركي، إما إمكانية الاندماج السياسي وهو أمر مستبعد نتيجة التجارب السابقة بين الأكراد والسياسات الحكومية التي اتبعت، وإما التأثير في مزيد من الدعم نحو كل من كوردستان باتجاه إعلان الدولة المفترضة، وكذلك حث أكراد كوباني، على تشكيل نواة دولة والتمثل بسابقة كوردستان في العراق. وفي مطلق الأحوال، إن هذين الاحتمالين يشكلان منطلقا واقعيا من وجهة النظر الكردية للسباق الجاري في الشرق الأوسط على إعادة رسم الجغرافيا السياسية للعديد من المكونات العرقية القومية، والطائفية والمذهبية، وهي صور باتت اقرب إلى القبول بها واقعيا إن لم تكن قانونيا.

في المحصلة، ثمة وصف دقيق يمكن إطلاقه على الانتخابات البرلمانية التركية، وهو الانتخابات الكردية التركية وتأثيراتها الجيوسياسية في المنطقة، وبصرف النظر عن النجاحات المحتملة لتلك المسارات، ثمة سوابق تعزز فرضية إعادة تعويم القضية الكردية، وسط انهيارات متسارعة للنظم المتواجدة فيها، وهي فرصة انتظرها الأكراد طويلا، وباتت العديد من العوامل تتقاطع لتعزيز حلم الدولة الكردية.

صحيح أن سقوط برامج حزب العدالة والتنمية، انهى عمليا حلم السلطنة العثمانية، وأعاد رسم خرائط سياسية جديدة في الداخل التركي لمصلحة التعددية السياسية، إلا انه من جهة أخرى، سيعيد تظهير صور جديدة في السياسة الخارجية، من بينها ابتعاد تركيا التدريجي من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، وبخاصة المتعلقة بالقضايا العربية، خاصة وأن ملفات الصراع القائمة، باتت ذات أبعاد دولية أكثر منها إقليمية، وبالتالي إن الدور التركي لم يعد بإمكانه التأثير فيها بالقدر الذي أتيح لها سابقا، إبان الحرب الباردة، آو في المرحلة الانتقالية من تشكل النظام الإقليمي الشرق الأوسطي خلال العقدين الماضيين.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>