First Published: 2015-06-21

الإسلام المعتدل في دولة الإمارات نلمسه أكثر في رمضان

 

غاية الدين الأولى إصلاح الفرد والمجتمع، أما السياسة فهي إدارة البلاد والعباد على نحو يجلب السلام والأرزاق والرفاه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

الذي يقف في مسجد خليجي لصلاة التراويح، ويسمع القرآن واقفاً هكذا. سورة البقرة في بداية رمضان تتساقط عليك كالمطر، وتلتفت في النهاية نحو الصديق الذي جاء بك فتجد عينيه دامعتين، وتمسح وجهك فتجده دامعا أيضاً. هذا كلام فوق طاقة البشر، يُتلى بطريقة تجعله يصل إليك. كلام صحيح مئة بالمئة، تسمعه وتسترجع كل تجربتك في الحياة، فتعرف أين أخطأت وأين كانت ضلالتك، لأنه يثير الضمير ودفائن العقول.

وهذه الفاتحة التي تتكرر دون ملل، كأنها نسمات باردة في قيض حار. والإمام الإماراتي يقول كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه. لا تقرأ القرآن لتحدث الناس به بل لتعمل به. وهذا أيضاً يرد ذكره في الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون. القرآن ليس كلمات بلاغة للإبهار بل للعمل والإصلاح والتصالح مع الزمان والنفس.

أرى بوضوح اليوم كمسلم أربعيني أن هناك قطيعة بين معرفة الإنسان العقلية ومعرفة الدين. هذا منهاج حياة للعمل لا للجدل. أهم شيء في صلاة الموحدين هو أنك لا تتذكر اسم هذا الشيخ ولا تُعجب بعلمه وشكله، بل تحاط بذكر الله وكلماته فقط. هذا إمام موحد لا يجذبك إلى علمه وشخصه بل إلى علم الله وحكمته.

ثم ما هي السلفية؟ هي ببساطة أن الإسلام ليس شعرا وحبا وبغضا كما يفعل الشيعة الذين يختزلون الإسلام إلى حرب أهلية بين الصحابة وأضرحة. والإسلام ليس جدلا ووجهات نظر شخصية كما يفعل الإخوان المسلمون، الذين فتحوا بابا للتأويل وتسييس الدين.

كتاب وسنة وجماعة وشريعة هذا هو جوهر السلفية المعتدلة. فهي تهتم بالمعرفة القليلة الأساسية المهضومة جيدا في معدة الأمة، وهذه المعرفة القليلة هي تعاليم للجماعة والعمل وتحفيز على النهضة. وليس ترك الإسلام للكتب والمعارف الكثيرة والآراء الشخصية التي تنتهي بالأمة إلى العجز، وعسر الهضم، وضياع الهوية. هل نزل النبي من غار حراء بالتوحيد والقرآن أم نزل يبشرنا بسلالة علي بن أبي طالب وأضرحتهم؟ هذا هو السؤال السلفي المهم.

السلفية تجاوز لما هو فردي وتأملي الى ما هو جماعي، وعملي، وجوهري في هوية المسلم. لا أعتقد بأن الإسلام قصائد ولا وجهات نظر شخصية، السلفية محقة في هذا. الا أننا أيضاً مع السلفية المعتدلة التي نراها في الخليج، ولا نقصد بأن التطرف السلفي خطأ فكري، بمقدار ما هو ردود أفعال على التهميش الطائفي، والإحتلال الأجنبي، ومشاريع الإبادة التي تتعرض لها بعض الدول المسلمة. المسلمون أمة من أكبر الأمم على الأرض، لا تصنع مسدسا ولا صاروخا، ومتهمون بالإرهاب والقتل. لابد أن في ذلك مكيدة ومكرا مخابراتيا.

ما نقصده هنا هو أن الرجال العظام الذين عاشوا تلك التجربة "صدر الإسلام" لاشك بأنهم غير عاديين، بحيث أن صدى كلماتهم مازال يتردد في المساجد، بعد كل تلك القرون بفضل القرآن الكريم. لهذا لا مكان لعبقريات فردية بشرية تظهر على الفضائيات وتدعي التبحر واكتشاف أشياء جديدة في الدين.

لا شيء جديد في العلم الإلهي والرسالة الخالدة للإسلام. الجديد هو أنت وأنا تغرينا النساء، ويضلنا الذهب، ونتشوش بالزيغ والأفكار والطمع والعُجب كما حدث للذين من قبلنا. الجديد هو رحلتي ورحلتك، ضلالتي وضلالتك، حماقتي وحماقتك. والجديد أيضا هو هدايتي وهدايتك.

المشركون هم الذين يعبدون البشر والأصنام والصور والقبور منذ الجاهلية. وهم الذين يخرجون علينا برجال دين يعبدونهم، ويقولون بأنهم عرفوا شيئا جديدا. لاشيء جديد في الحقيقة ما دامت اللغة مفهومة منذ نزول القرآن، وكل محاولات السياسة اليوم نفخ رجال دين لأغراض الدعاية الإعلامية هي شرك وزيغ.

لا وجود لأحد سوى الله والقرآن "كلام الله"، يدخل هذا الجوهر المطلق إلى التاريخ والبشر من خلال "الصادق الأمين" ولا يخرج أبدا من جسد الأمة، يتحول إلى روح وحياة. وكل ما عدا ذلك، مجرد محاولات الشرك نفسه العودة مرة أخرى، في هيئة انبهار وضيع بالمخلوق وترك الخالق.

الإسلام في الخليج مع "البطء" رغم التقدم الكبير في حواضرهم. فلماذا السرعة؟ ما جدوى السرعة؟ إلى أين يريد أن يصل الإنسان؟ إلى أبعد نقطة؟ إلى أول نقطة؟ كم يسرع أكثر؟ سرعة الضوء؟ أم سرعة البرق؟ في النهاية سيدعو ربه بأن يوسع له في قبره. لا خير في السرعة إذا لم يرافقها ذلك البطء الروحي الجميل. بطء الصلاة، وبطء الإخاء بين البشر، بطء الفهم، وبطء الحكمة، بطء الإنسان الحر أفضل من سرعة العبد.

وهذه قصة موسى أليست في النهاية رحلة شعب من العبودية إلى الحرية. من سرعة العبيد إلى بطء الأحرار. كم هرما وكم عبدا مات بحجر لأجل فرعون خائف من الموت. السرعة والأهرامات وناطحات السحاب لا تعني الحضارة. التواضع وحكمة الله وسعادة المعنى هي الحضارة. أن تعرف بأنك مَعْبَر لمشيئة الله ولست هدفا ولا غاية نهائية، ومعك اخوة تعبر عليهم هذه المشيئة هو الحضارة.

أن تدخل المسجد، ويسمحوا لك أن تقف إلى جانبهم، ويرصوا بك صفوفهم، دون أن يطردوك لأنك علماني أو ليبرالي، بل على العكس يصنعون معك كما يصنع الطبيب مع تارك التدخين، يطلبون منك أن تحدثهم عن تجربتك ويحسنوا لقاءك. أليس هذا حكمة وكرم عظيم من هؤلاء الناس. ليس بيدهم هذا الكرم والتسامح، بل هذا كرم الإسلام نفسه وبابه المفتوح دوما. إني أرى المسلمين من أكثر الأمم تسامحا ورحمة ومحبة للسلام.

الإسلام المعتدل كما هو عليه في دولة الإمارات يعتبر نموذجا لأهمية فصل الدين عن السياسة، ويبدو بأن هذا لصالح الإسلام والتجربة الروحية الكبيرة. غاية الدين الأولى إصلاح الفرد والمجتمع، أما السياسة فهي إدارة البلاد والعباد على نحو يجلب السلام والأرزاق والرفاه. وهذا كله متحقق على نحو فريد في الإمارات العربية المتحدة.

أَلَمْ يَأْنِ تركِيْ لا عليَّ ولا ليا

وعَزْميْ على ما فِيهِ إصلاحُ حاليا

أبو تمام

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>