First Published: 2015-06-26

موسكو - الرياض: خرائط التوافق!

 

موسكو كما الرياض قدمتا تنازلات متبادلة ستفصح عنها الأيام المقبلة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

شنَّ وزير الخارجية السعودي السابق الأمير سعود الفيصل، في مارس الماضي، هجوماً لاذعاً ضد روسيا حيال موقفها من الأزمة السورية. جاء كلام الفيصل على هامش القمّة العربية الأخيرة في شرم الشيخ، على نحو أوحى أن كلامه يعكسُ استمرار الفتور في علاقات روسيا مع السعودية في عهد الملك سلمان على منوال ما كانت عليه في عهد الملك عبدالله الراحل. ابتعد سعود الفيصل، بعد ذلك، عن وزارة الخارجية السعودية، وراحت دبلوماسية الرياض الجديدة تتّسقُ في شخوصها وفي مقارباتها المستحدثة مع ديناميات لافتة واكبت، منذ اللحظات الأولى، تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز سدّة العرش.

لم يكن هجومُ سعود الفيصل ضد روسيا منذ أشهر انفعالياً عابراً فقط، بل أفصح عن رغبة بلاده الحقيقية في فتح صفحة جديدة حقيقة مع موسكو. قال الرجل: "أنا لا أريدُ أن نقفَ ضد روسيا بل لا بد أن نبني مصالح مع روسيا، ولكننا في هذا المجال لا بد وأن نتمكن من النظر إلى روسيا كبلد صديق يريدُ الخير للعالم العربي". وهنا تكمن المعضلة: أزمة الثقة المفقودة بين البلدين. فهل جدَّ ما يمكّنه أن يرممَ تلك الثقة المتصدّعة؟

في المقاربة السعودية الحالية لروسيا نضجٌ واضح يدركُ الوزن الروسي ودورَ موسكو في ظل نظام الرئيس بوتين. تقرأ الرياض هواجس روسيا السياسة والاقتصادية كما طموحاتها للعب دور دوليّ فعال، بما في ذلك في جانبه الشرق أوسطي. ضمن تلك المعطيات تتقدمُ السعودية باتجاه روسيا هذه المرة، مدركة أن موسكو أضحت عاموداً من أعمدة التوازن الدولي الاستراتيجي، وهو أمر باتت الرياض تقاربه، على ما يبدو، كحاجة استراتيجية للمملكة نفسها، وكمكمّل لسياق خليجي في هذا الخصوص (زيارة محمد بن سلمان جاءت بعد أسابيع على زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد لموسكو).

لا تتحرى الرياض تحالفاً مع موسكو يكون بديلاً أو مساوياً لتحالفها مع واشنطن. فتاريخ العلاقات السعودية الأميركية (منذ قمة عبدالعزيز وروزفلت عام 1945)، كما تاريخ العلاقة السعودية - الروسية (منذ طلاق عبدالعزيز وستالين إثر اعدام الاخير لسفيره في الحجاز كريم حكيموف، صديق الملك السعودي، عام 1983) لا يستشرفان احتمالاً كهذا، كما أن ثقافةَ وتقاليد البلدين السياسية لا توّفران أرضية مشتركة لبناء تحالف ذي مصداقية. والأهم أن السعودية وروسيا لا تسعيان، كل لأسبابه، لتشييد تحالف بكل ما في الكلمة من معنى.

بالإمكان الجزم أن الأغراءات المالية والاقتصادية السعودية لم تكن وحدها محدد التطور الحالي في علاقات الرياض بموسكو. سبق لمسؤولين سعوديين، (ومنهم الأمير بندر بن سلطان) أن لوحوا بالجزرة الاقتصادية علّها تُفلح في استمالة الجانب الروسي لصالح خيارات سعودية مؤاتية، لا سيما في شأنيّ سوريا وإيران، لكن موقف موسكو كان عنيداً، أو أن حسابات روسيا كانت ترى أن الحصاد المالي والاستراتيجي ما زال يميل، بشكل كاسح لصالح تحالفها مع إيران وسوريا. ثم أن "التشاطر" السابق لقطف موقف روسي انقلابي في مشهد العلاقات الدولية بشؤون المنطقة، لم يكن من الممكن تحقيقُه من خلال زيارات متسرّعة تتحرى الصفقات، ولا تتأسسُ على تراكم ولا تقف على أرضية تفاهم صلبة.

ترتكزُ زيارة وليّ وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لروسيا (سان بطرسبورغ) الأسبوع الماضي على تبدلٍ نوعيٍّ في الذهنية التي طرأت على عقلية العاصمتين، كما على التطورات اللافتة في ميادين الصراع الساخنة في المنطقة. جرى الإعداد للزيارة بسرية كاملة في الرياض وموسكو ولم يعلن عن الزيارة إلا قبل ساعات من حصولها (على ما لاحظ سايمون هندرسون في موقع واشنطن انستيتيوت).

تتقدمُ السعودية باتجاه موسكو وهي تقود حملة عسكرية في اليمن ستحددُ، أياً تكن نتائجها، طبيعة الحكم المقبل في هذا البلد، كما طبيعة التوازن السعودي الإيراني في المنطقة. تستقبلُ موسكو المسؤول السعودي الرفيع، نجل عاهل البلاد، وهي مدركة بأن الضجيج في سوريا يفيد عن نكسات متتالية مُنيّ بها نظام دمشق، فيما عواصم القرار الكبرى الاقليمية والدولية، تستعدُ لسقوط سريع ومفاجئ لنظام الاسد في دمشق (على ما تسرّب مما قاله الرئيس المصري لرئيس الحكومة اللبناني والوفد المرافق).

لكن الحاكمَ الروسي يستقبلُ الأمير السعودي (استغرق الاجتماع الثنائي ساعتين) وقد عانى الاقتصاد في روسيا من أزمة اسعار النفط التي تثقل التوازن الاقتصادي للبلاد. هاجمت طهران، بمتشدديها ومعتدليها، بما فيهم الرئيس روحاني ووزير خارجيته، السعودية بصفتها المسؤول الأول عن "انهيار" الأسعار، فيما تحدث الرئيس بوتين في موسكو عن "مؤامرة أميركية سعودية" تستهدفُ روسيا من خلال أسواق النفط.

في مسارعة الكرملين، ومنذ الساعات الأولى لزيارة الضيف السعودي لروسيا، في الحديث عن "تطوّر غير مسبوق في علاقات البلدين"، ما يكشفُ توقاً روسياً لفتح صفحة مختلفة مع الرياض. أرسلت موسكو، قبل ذلك، اشارات ودّية حين لم تستخدم حق النقص (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن رقم 2216 بشأن اليمن. بدا أن أرضية التفاهم بين البلدين تعتمدُ هذه المرة على توازنات أقنعت الحاكم في روسيا كما في السعودية بولوج مداخل خلّاقة لعلاقة جديدة تلبي حاجة استراتيجية مشتركة (لاحظ أن أزمة أسعار النفط بدأت تؤذي الاقتصاد السعودي أيضاً، لا سيما وأن البلد في حالة حرب مفتوحة في اليمن).

أدركت موسكو أن مقاربةَ كل المنطقة العربية من خلال الممر السوري وحده فيه ضيق نظر مربك على ما لا يتلاءم مع أبجديات دولة كبرى. أدركت موسكو أيضاً أن رهانها على حصان الحاكم في دمشق بات حصاناً خاسراً، ليس فقط بسبب تقهقر قوى الأسد في الميادين، بل لأن المزاد المتعلق بالشأن السوري لم يعدْ مجدياً بالنسبة لموسكو، وهو في احتمالاته المربحة، إذا ما صدف ذلك، فهو يصبّ في الحسابات الإيرانية أكثر من تدفقها باتجاه الموازين الروسية. ولئن أعلن الرئيس بوتين غداة لقائه بالضيف السعودي ثباتاً في موقفه السوري، فذلك منطقيٌّ منتظر يهدف إلى نفي أي تبدل انقلابي مرتبط بزيارة ضيفه، فيما مؤشرات عديدة، لا سيما تلك المتعلقة باتصالات موسكو واشنطن تستشرف انعطافة روسية متوقعة في شأن مقاربتها للحل في سوريا.

شيءٌ ما حصل في روسيا. صحافة موسكو تناولت الأمر بشغف واهتمام وايجابية. وبغضّ النظر عما إذا كان ودّ الاعلام في موسكو موحى به أو يعكسُ حقيقة مزاج الطرفين، فإن تأكيد الأمير محمد بن سلمان عن قيام العاهل السعودي بزيارة قريبة لموسكو يعبّر عن تقدم نوعيّ جرى تحقيقه بما يدفع الملك سلمان لتتويج المنجز بزيارة مقبلة. وما يلفت ربما في تلك الزيارة المقبلة أنها تأتي بعد أسابيع من امتناع العاهل السعودي من حضور القمة الخليجية الأميركية في كامب دايفيد، وهو ما اعتبره المراقبون موقفا احتجاجيا تعبّر عنه الرياض ازاء مواقف إدارة اوباما.

قد تسهبُ صحف البلدين في الحديث عن الاتفاقات الست التي تمّ توقيعها، وقد نعرف أكثر عن الصفقات العسكرية المحتملة (حديث عن اهتمام الرياض بمنظومة "إسكندر 3" الصاروخية)، لكن الجانب المتعلق بالتعاون في المجال النووي والذي لم يكشف النقاب كثيراً عن تفاصيله (حديث عن عزم الرياض بناء 16 مفاعلاً نووياً للأغراض السلمية على أن يكون لروسيا الدور الأبرز في تشغيلها)، يعكسُ قراراً سعودياً بانتهاج خيارات نووية تغمزُ من قناة أي تفاهمات ملتبسة حول هذه المسألة مع باكستان.

وفي الحديث عن تعاون في مجال الطاقة ما يشي بانتهاج مسالك غير تنافسية بديلاً عن حرب الأسعار التي أقلقت الروس، وربما أن للطرفين مصلحة مشتركة في ردّ خطر النفط الصخري (لا سيما الأميركي) الذي يهددُ حصصهما في السوق النفطي. واللافت أن الضيف السعودي أراد تجاوز تفصيل العقود والاتفاقيات ليضعَ أمر العلاقات الجديدة في سياق تاريخي، ذلك أنه اعتبر أن "روسيا تملك أفضلية عن دونها من البلدان الأجنبية، وهي التي كانت أول دولة اعترفت بالمملكة العربية السعودية في عام 1926".

تتقدمُ الرياض باتجاه موسكو فاتحة سبل التعاون مع روسيا، فيما تلك الأخيرة في حالة توتر مع الغرب منذ الأزمة الاوكرانية، بما يحمله هذا التوتر من تسلّح، أعلن عنه بوتين مؤخراً، ومن عقوبات غربية باتت تثقل عجلة الاقتصاد الروسي. في السعيّ السعودي الجديد ما لا يذهب مذهب الحليف الغربي ومزاجه الراهن إزاء موسكو، وهو أمر لا بد أن بوتين قد لاحظه وأدرك من خلاله التبدل الذي طرأ على الذهنية الحاكمة في الرياض.

لن تكون موسكو مرتاحة من احتمال أن يأتي هذا الاتفاق النووي مع إيران برياح لا تشتهيها السفن الروسية. فإذا ما كان مفتاحُ الحلّ بين العالم وطهران أميركي الهوى، كما تفصحُ مباحثات مسقط الشهيرة، فإن علاقة موسكو بطهران ستتراجع في أهميتها مقابل الاجتياح الغربي الذي ينتظر توقيع الاتفاق العتيد للهيمنة على العقود الاقتصادية في إيران. بهذا المعنى تحتاجُ موسكو للانفتاح على الرياض تحرياً لفضاءات جديدة في المنطقة، كما تحتاج الرياض لموسكو للتمتع بخيارات أوسع في السعي لاحتواء مفاعيل ما بعد الاتفاق مع إيران.

تحرصُ الرياض، في ما يصدر رسمياً او ما ينشره الاعلام السعودي، أن تؤكدَ وتكررَ أن الخطوة باتجاه موسكو ليست رداً على واشنطن (ستكرر ذلك في معرض مقاربة الرياض لباريس). الأمرُ صحيح لا شك، لكن قلق الرياض من سلوك الحليف الأميركي ونواياه ربما عجّل في تنشيط علاقة مع روسيا لم تكن تحتاج عجالة ولا توطيداً. الأمر بات بالنسبة للحاكم في الرياض حاجة استراتيجية نهائية حتى لو صدف أن زال هذا القلق السعودي الشهير، وهو لن يزول طالما لم ينته العقد الحالي لأجير البيت الابيض.

ستقاربُ العواصم التطوّر الجديد في علاقات السعودية وروسيا كلٌ حسب نوعية علاقته بالعاصمتين، لكن الثابتَ أن موسكو كما الرياض قدمتا تنازلات متبادلة ستفصح عنها الأيام المقبلة. في تفاصيل تلك التنازلات يكمن الجديد في نوعية الآليات التي ترتقي بالعلاقة إلى ما هو حقيقي صلب، أي تلك التي تتجاوز الزيارة بصفتها حدثاً إعلامياً سرعان ما يخفيه حدث إعلامي آخر.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم عبد الله كسب
الدولة اليمن

مقال اكثر من رائع بعيد عن البروباغندا التي تحدثت عن انقلاب في سياسات السعودية... بانتظار ان نعرف ما هي التنازلات المتبادلة

2015-06-26

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>