First Published: 2015-06-28

مستقبل يد بريطانيا الناعمة ليس كماضيها

 

إذا كان اللورد باتن قد اعترف من قبل 'بأن مصداقيتنا هي رهن قدرتنا على قول الحقيقة'، فإن جوناثان ديمبلي أحد صحفيي بي بي سي، قد تحدث عن 'سفينة جانحة تتجه نحو الصخور'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

باستثناء الضمان الصحي لا توجد مؤسسة في بريطانيا تحتل موقعا في الوعي العام مثل هيئة الإذاعة البريطانية وهو موقع كان بنفس الدرجة من الأهمية فيما مضى لدى الجمهور العربي المستمع لراديو بي بي سي.

لكن ثمة سؤالا يتصاعد مع اقتراب تجديد الميثاق الملكي للهيئة عام 2016، عما إذا كان البريطانيون مازالوا في حاجة إلى هيئة الإذاعة البريطانية، وبطبيعة الحال يمتد السؤال إلى البلدان التي تبث الهيئة بلغاتها كالعربية.

أهمية السؤال تكمن في تمويل بي بي سي من ضريبة سنوية يدفعها كل منزل يمتلك جهاز تلفزيون، فهي بالضرورة ملك لذائقة ووعي الجمهور حيث تمتنع الهيئة عن بث الإعلانات التجارية، وتركز على برامج خدمية وربط العالم الخارجي عبر قنواتها.

وإذا كان ثمة كلام عن قناة سرية ما بين مبنى الحكومة في 10 داوينغ ستريت وبوش هاوس المقر التاريخي لبي بي سي حول إدارة يد بريطانيا الناعمة من قبل الحكومة، فإن باحثا مثل سيمون بوتر يرى أن شركة الإرسال والإذاعة البريطانية التي نشأت عام 1922 سرعان ما تطورت سنة 1927 إلى هيئة الإذاعة البريطانية وتحوّلت إلى لاعب أساسي ساهم في تشكيل مجرى الأحداث التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وساعدت المملكة المتحدة في بسط نفوذها من خلال نشر الثقافة البريطانية والترغيب فيها خاصة في أهم مستعمراتها.

ومثل هذا الكلام أكده كريس باتن رئيس مجلس الأمناء في الهيئة الذي وعد جمهورها التواق بأعلى قيم المسؤولية في الأخبار بقوله “إذا أردت أن تعرف كم هي جيدة ومهمة بي بي سي، اذهب إلى أي مكان آخر”.

وعد اللورد باتن الذي كان حاكما لهونغ كونغ الخدمة العالمية لبي بي سي جزءا مهما من قوة بريطانيا الناعمة.

فيما اعترف وزير الخارجية البريطاني السابق ويليام هيغ بأن بلاده تخلت عن خطط لخفض حجم الاستثمارات في الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية في ظل انتفاضات الربيع العربي في عدد من الدول.

إلا أن غالبية البريطانيين يعتقدون أن هيئة الإذاعة البريطانية منحازة في أخبارها سواء لأحزاب اليسار أو اليمين، مع أنها تشاهد من قبل 48 مليون شخص يوميا في المتوسط.

وجاء في استطلاع أجرته مؤسسة “الرأي الجديد” بالاشتراك مع صحيفة الأوبزيرفر، أن 41 بالمئة أكدوا أن بي بي سي منحازة في تغطيتها الإخبارية، حيث قال 27 بالمئة منهم إنها تميل إلى توجهات الأحزاب اليسارية، فيما اتفق 14 بالمئة على أنها يمينية الأخبار.

صحيفة الغارديان أعادت إطلاق السؤال بطريقة تفاعلية هذا الأسبوع، عما إذا “كنا كبريطانيين مازلنا في حاجة إلى بي بي سي؟”، مثيرة جدلا ساخنا حول رسوم الترخيص ونوعية البرامج والتدخل الحكومي في صناعة خطاب هيئة مستقلة تعلن أنها تمتلك أعلى درجات الحساسية الإخبارية.

كانت الآراء متهكّمة ومتسائلة في نفس الوقت إلى درجة أن أحدهم قال إذا كانت الأرض ستتوقف عن الدوران بتوقف بي بي سي، وهل سيكون البريطانيون أقل استعدادا لمواجهة يومهم دون برامجها؟

فيما اعتبر الكاتب ستيف هيوليت أن التأييد الواسع لبي بي سي لا يمنع الوصول إلى النقطة الحرجة والنظر في مستقبلها.

بينما شك مارتن بيل المراسل المخضرم والنائب البرلماني المستقل لاحقا، في أن تجد الإعجابات الكثيرة التي تحظى بها بي بي سي في الخارج معادلا لها في الداخل.

يدرك صناع الخطاب في أكبر هيئة إعلامية “مستقلة” سياسيا و(مؤمّنة) ماليا أنها لم تعد الخيار الأول بتعدد البدائل أمام الجمهور، فالتأثير الذي كانت تتمتع به بي بي سي في يوم ما لم يعد يمتلك نفس مواصفاته التاريخية التي وضعها السياسيون.

قد تنجو بي بي سي بأفعالها في القضايا الخارجية لأن لا أحد له القدرة على قول إنها انتقائية، لكن ما إن تدخل في الشأن الداخلي حتى تكون في واجهة التدقيق لأنها تقدم نفسها كـ”ميزان للحقيقة”.

إذا كان اللورد باتن قد اعترف من قبل “بأن مصداقيتنا هي رهن قدرتنا على قول الحقيقة”، فإن جوناثان ديمبلي أحد صحفيي بي بي سي الأكثر احتراما، قد تحدث عن “سفينة جانحة تتجه نحو الصخور”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
المزيد

 
>>