First Published: 2015-07-03

جمعة الموت: في البحث عن مؤامرة!

 

في قصص الإرهاب ما يفتحُ دائماً أبوابا لسيناريوهات يُدرِجُ الفعل الإرهابي بصفته تفصيلا داخل الكواليس الرسمية لصراع الأمم، وأداةً خبيثة في تنافس الأجهزة الأمنية والمخابراتية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

في تأمل جرائم الإرهاب ما يستثيرُ شهيةً للبحث عن المؤامرة التي ترسمُ الجريمة والأدوات التي تستخدمُ المجرمين. وربما في ذلك السلوك إغفالٌ لعلّة حقيقية داخل مجتمعاتنا وفي بطون ثقافتنا ما برحت تنتجٍ عفناً يتقيأ تلك البربرية التي خلناها غابرة ملتصقة بتاريخ بعيد. ومع ذلك فلا بأس من المغامرة في تحري مؤامرة خلف الفاجعة.

في اليوم الرهيب، وربما العجيب، الذي ضرب فيه الإرهاب داخل ثلاث دول في العالم يوم الجمعة الماضي، تنبّهت وسائلٍ الإعلام الدولية لحدثٍ فوق العادة، وهي التي لطالما لم تعرْ أهميةً استثنائية لتلك المأساة التي تجري يومياً، وبصفتها من العاديات، في مدننا وحاضراتنا وأريافنا، من العراق وسوريا شرقاً انتهاء بليبيا غرباً مروراً باليمن و"مواقع" أخرى.

على أن رتابةَ الواقع الداعشي في منابعه العراقية السورية يصدّر، كما لاحظ العالم مراراً خلال هذا العام، نسخاً تفسّر الاعتداءات الثلاث الأخيرة، في يوم واحد، في فرنسا وتونس والكويت، وتنفخُ في سؤالٍ بليد: لماذا هذه الدول الثلاث.

فرنسا دولةُ "كفر" في عرف الجهادية، وفي جعبة الجهاديين ما يرفدُ جنونهم بالحجج: فرنسا دولة استعمارية غزت ديار المسلمين في الماضي، وهي في حاضرها سنّت قوانين تكافح من خلالها الحجاب والنقاب صوناً لعلمانيتها الشهيرة وهي التي شنت حملة ضد جهاديي مالي. تونس دولةُ خرجت بعد البوعزيزية لتواجه وحدها عواصفَ الجهادية المنلفتة من سجون بن علي أو الوافدة إليها من ليبيا ما بعد القذافي، وهي التي واجهت في الشارع كما في صناديق الاقتراع إسلاموية هبّت عليها، فأعادت حركة النهضة إلى مستوى متراجع، كما تحدّت في خيارها الديمقراطي التعددي تلك الظلامية المتوارية في جبال الشعانبي والتي تقذف حممها السوداء في مدن (وشواطئ) البلد كلما سنحت فُرصُ ذلك.

الكويت، هي تلك الدولة التي لطالما غامرت بفرادتها، وتمسّكت بتجربتها الديمقراطية على تعقّدها، ولم تفضْ باتجاهها تلك المذهبية المفرطة في العراق الحدودي، وحافظت، في هذا الزمن الملتبس، على وسطية واعتدال قد يستفزُ جواراً ويضجّرُ بيئةً مدمنة على التكاره. والكويت هي الدولة التي تبرّعت بالتوسّط لتصفية الخلافات الخليجية، ما أفضى إلى درجة متقدمة من التنسيق والوئام بين دول مجلس التعاون.

يمثّل الإرهاب في قلب الكويت امتداداً لإرهاب ضرب داخل دول في مجلس التعاون الخليجي (آخرها استهدف أيضاً مسجداً شيعياً في السعودية ناهيك عن إعلان المنامة القبض على خلية في البحرين) ويهددُ بالضرب في دول أخرى. وقد يذهبُ المتشائمون إلى القول إن المنطقةَ برمتها تخضعُ لجراحات وجودية لن تسلمَ الكويت أو جاراتها منها، وإن الإتفاق النووي العتيد مع إيران يستلزمُ قبولاً من الخليجيين وهم الذين لم يتوقفوا عن التبرّم والاحتجاج من استحقاق قد يأتي على حسابهم.

تحتاجُ إيران لتثبيت هيمنة على المنطقة الخليجية، ولا بأس، كالعادة، من استخدام العامل المذهبي في سبيل ذلك، وها هو عضو اللجنة البرلمانية لشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية محمد كريم عابدي يعلن بأن اللجنة البرلمانية لشؤون الأمن القومي الإيراني درست واستمعت إلى تقارير عن الإجراءات المتّخذة لحماية أهل البيت في الكويت في حال حدوث أي إختلال امني هناك، قائلا: "إن ما حدث من دخول جيوش من دول الخليج الى البحرين لن يتكررَ ولن نسمحَ بتكرار حدوثه بالكويت... وأن من حقّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدخول الى الكويت لحماية الشيعة".

من جهتها، تمثّل تونس استثناء مستفزاً في كل المنطقة. لم تنزلقْ تونس داخل أتون الحرب الأهلية على ما هو جارٍ لدى ليبيا الجارة، حتى لا نبتعد كثيراً. عالجت تونس إسلامها السياسي الحزبي من خلال الانتخابات، فأقصت نتائجها حركة النهضة عن حكم البلاد. ولئن بقيت جماعة راشد الغنوشي شريكةً في حكومة ما بعد الانتخابات، فذلك لحسابات داخلية، وبالأحرى لحسابات دولية إقليمية. وربما في أن وراء تلك الشراكة من اعتقد أنها تجنّبُ البلاد مواجهة تفتحُ الباب لرواج الإرهاب الجهادي وإزدهاره، وهو أمر ثبت عقمه في عملية سوسة الأخيرة وقبل ذلك في متحف باردو في العاصمة في مارس الماضي.

يزعجُ النموذج المجتمعي التونسي الحالي أنظمة المنطقة، وهو لطالما أزعج تاريخياً تلك العروبية، كما تلك التقليدية المحافظة، منذ الحبيب بورقيبة والبورقيبية. وربما في ما يزعج من يرومُ الاجهاض على تجربة قديمة - حديث تنشدُ الانتماء إلى الحداثة، كما تؤكد في قديمها وجديدها التصاقها بالعالم الليبرالي، لا سيما الأوروبي، دون الابتعاد عن قيّم وثقافة وتراث لم تعترف يوماً بالتطرف والتعصب والبضاعة المستدعاة من ظلمات الماضي.

لكن تونس في خياراتها الحالية تقلقُ أيضاً الجزائر التي تأخذُ على جارتها خيارات أطلسية ملتبسة. الجزائريون جاهروا بانتقادهم لتونس حيال تلك الاتفاقات الأمنية مع واشنطن، إلى درجة الإعلان أن الرئيس اوباما أوباما يعتزم منح تونس وضع "حليف رئيسي" خارج الناتو. وعلى الرغم من التطمينات التونسية التي قُدِّمت للجزائر، فإن تلك الأخيرة تنظرُ بعين الريبة إلى احتمالات إطلالات أطلسية تستخدم الأراضي التونسية.

تزعجُ تونس الجار الليبي بجناحيه المتصارعيين بين إسلامي وغير إسلامي، وبالتالي تزعج أجندات ما فوق ليبية تقف وراء هذا الصراع. ولئن جهدت تونس في الحفاظ على توازن بتعاملها مع حكومتي طرابلس وطبرق، واستخدمت ذلك التوازن الصعب في فكّ أسر دبلوماسييها مؤخراً، بيد أن نوعية الصراع الليبي وحدّته في أبعاده الثلاثية، المحلية والاقليمية والدولبة، ربما لا يتحمل تلك الوسطية التونسية وحيادها في معركة الليبيين.

لفرنسا أيضاً ما فتح أعين "المؤامراتيين" على الحدث الإرهابي الأخير في ضواحي مدينة ليون، ناهيك عن المحاولات التي أجهضتها أجهزة الأمن الفرنسية منذ عملية صحيفة "شارلي إبدو" الشهيرة بداية العام الجاري.

تنشطُ فرنسا بحيوية داخل العالم العربي، وقد تمكّنت باريس من خلال سياسة طموحة من توقيع عقود تسلح (لا سيما طائرات رافال) مع مصر ودول خليجية، وهي وقّعت، بمناسبة زيارة ولي ولي العهد السعودي قبل اسبوعين على عقود للمساهمة في طموحات السعودية النووية. ناهيك عن أن فرنسا هي الدولة التي اختارتها السعودية لتسليح الجيش اللبناني من ضمن منحة الثلاثة مليارات دولار الشهيرة التي قدمتها الرياض لبيروت في هذا الشأن.

وفرنسا هي الدولة التي تعلن مواقف متصلبة إزاء تمرير اتفاق دولي مع إيران حول برنامجها النووي، وهو ما يُقابل بحملات إعلامية إيرانية معادية، وبتلميح مباشر بإلغاء عقود أو حرمان باريس من العقود التي تنتظر دول العالم في إيران ما بعد الاتفاق (على ما هدد به وزير النقل الإيراني أحمد عباس آخوندي من معرض "لو بورجيه" للطيران في فرنسا نفسها منذ أسابيع).

وفرنسا صاحبة الهمّة الحالية إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي قوبلت مبادرتها برفض إسرائيل وبظهور خلافات خرجت إلى السطح )مصادر إسرائيلية اتهمت باريس بالوقوف وراء المبادرة الاوروبية لمقاطعة منتجات المستوطنات)، كما واجه الفلسطينيون المبادرة بمواقف تترواحُ بين الرفض والتحفظ، في مجال هو من اختصاص واشنطن تاريخيا وتقليدياً.

هل يعني ذلك أن العمليات الإرهابية التي استهدفت فرنسا وتونس والكويت هي ثمرة سياسات استدرجت ردّات فعل؟ لا نملك ما يؤكدُ تلك الفرضية، فذلك لا تكشفه إلا الغُرف الأمنية ودهاليز الدبلوماسية الدولية، وقد لا يُماط اللثام عنها إلا في العقود المقبلة.

ألم نكتشف بعد حين أن انفجارات باريس في ثمانينات القرن الماضي كانت نتاج نزاع بين باريس وطهران، بعضُه ماليّ وبعضُه متعلّقٌ ببرنامج نووي كان الشاه قد أتفق بشأنه مع باريس وتم تعليقه بعد الثورو الاسلامية؟ ألم نكتشف أن الانفجار الذي استهدف حافلة تقل فرنسيين في كاراتشي (مايو 2002)، وأودى بحياة 11 فرنسياً، والذي اتهم إسلاميون بتنفيذه، كان بالنهاية انتقاماً من باريس التي أوقفت عمولات لوسطاء باكستانيين في صفقة بيع غواصات فرنسية لباكستان عام 1994؟

عند كل عمل إرهابي مصدره الجهادية يروج الكلام عن السبب والمسبب. في ذلك تتراكم الأدبيات مسهبّة في الغرّف من تراث التطرف، كما في عرض ظروف تشكّل البيئات الحاضنة، كما في اقتفاء حكايات الإرهابيين وحركتهم. لكن العالمَ ليس رواية بريئة تُرسم بين سطورها خطوط التنابذ بين خير وشر وفصول التصارع بين ضحية وجلاد، بل أن في قصص الإرهاب منذ تلك الأشهر في "غزوتي نيويورك وتايمز" ما يفتحُ دائماً أبوابا لسيناريوهات يُدرِجُ الفعل الإرهابي بصفته تفصيلا داخل الكواليس الرسمية لصراع الأمم، وأداةً خبيثة من الأدوات التقليدية في تنافس الأجهزة الأمنية والمخابراتية.

في مشاهد الموت الأسود ما يشي أن موائد الهلاك تُنتجُ في مطابخ فخمة على أطراف مكاتب فاخرة في قلب عواصم عريقة.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم عبدالله حنين الاسدي
الدولة العراق \\ ديار الشيوعيه كفر والحاد بامر فتاوى شيوخ الذبح باسم سفيان

في مشاهد الموت الأسود ما يشي أن موائد الهلاك تُنتجُ في مطابخ فخمة على أطراف مكاتب فاخرة في قلب عواصم عريقة. مثل الرياض ولكن بايعاز من الصهاينه وشيوخ بني سفيان اصحاب الدين السفياني الوهابي الذي دمر الامه منذ 1400 سنه

2015-07-03

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>