First Published: 2015-07-04

إدراك متأخر أم تواطؤ مُسبق؟

 

أن تتحدث منظمة التحرير والسلطة الوطنية عن مخطط أو مؤامرة تشارك فيها حركة حماس وأطراف خارجية لفصل غزة عن الضفة فهذا لا يعني تبرئتهما من المسؤولية عما جرى ويجري.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

بعد ثمان سنوات على الانقسام يتأكد ما كنا نحذر منه منذ 2004، من مخطط لفصل غزة عن الضفة في إطار مخطط إسرائيلي ومعادلة إقليمية ودولية جديدة تتجاوز ترتيبات وتفاهمات أوسلو. كل ذلك لم يعد في إطار التخوفات أو التوقعات الخيالية غير المسنودة على وقائع، بل انكشف المستور بعد أن أصبح الانقسام ممأسسا بقوة الأمر الواقع الذي تفرضه حماس، وبرضا ومباركة إسرائيل وأطراف عربية ودولية وأخيرا مصر التي أعادت بصمت سفيرها في إسرائيل وتشارك في مفاوضات الهدنة طويلة المدى، ونتيجة عجز السلطة ومنظمة التحرير عن وقف المخطط.

ما نريد الحديث عنه اليوم هذه الصحوة المتأخرة (والاكتشاف الخطير) للسلطة وحركة فتح وفصائل منظمة التحرير لهذا المخطط!. فبعد ثمان سنوات من سيطرة حماس على القطاع، وبعد عشر أعوام من بدء تنفيذ مخطط الفصل، ومرور عام على حكومة الوفاق الوطني دون مُنجز وطني يُعتد به، ومع مؤشرات خروج حماس من تداعيات صدمة ثورة 30 يونيو وسقوط حكم الإخوان في مصر، ومع المأزق المتعاظم للسلطة ولخيار حل الدولتين... بعد كل ذلك أخذت التصريحات في الأشهر الاخيرة تتوالى من هذه الأطراف – حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية - محذرة من وجود مخطط تشارك فيه حركة حماس لفصل غزة عن الضفة!

الغريب والمُثير للتساؤلات في هذه التصريحات ليس مضمونها بل توقيتها من جهة، وتركيزها على حركة حماس دون الأطراف الأخرى التي تلعب دورا لا يقل خطورة عن دور حماس في صناعة الانقسام.

أولا: بالنسبة للتوقيت

هل هذه الجهات التي تقف على رأس النظام السياسي الفلسطيني وذات العلاقة بكل دول العالم، وتحت تصرفها العديد من الأجهزة الأمنية التي تنسق مع إسرائيل ومع دول الجوار الخ كانت تجهل وجود هذا المخطط واكتشفته أخيرا؟! أم أنها كانت تعرف به مُسبقا والتزمت الصمت طوال السنوات الماضية؟

إن لم يكونوا على علم بوجود مخطط الفصل فهذه مصيبة، وإن كانوا يعلمون بما كان يجري، وهو ما نعتقده، فالمصيبة أكبر، لأن السؤال المترَتِب على ذلك، لماذا صمتوا كل هذه السنوات ولم يتحركوا إلا بعد أن نضجت الأمور وأصبحت دويلة غزة في مرحلة "التشطيبات الاخيرة"؟! هل السبب أن البعض منهم متواطئ ومشارك في مخطط الفصل منذ البداية وتم إخراجهم من المعادلة لاحقا لصالح حركة حماس في مقابل فوائد ومصالح أخرى يحصلون عليها في السلطة الوطنية وفي أماكن اخرى؟ أم أنهم كانوا يعلمون بالمخطط دون أن يشاركوا فيه ولكنهم كانوا عاجزين عن وقفه أو يراهنون على فشلة؟

فأين كانت حركة فتح والسلطة الوطنية وكل فصائل منظمة التحرير طوال السنوات الماضية؟ إن لم يكن هناك شبهة تواطؤ من البعض فهناك تقصير وخلل في التعامل مع قضية الانقسام من الكل، حيث لم يتم بذل ما يجب من جهود للحيلولة دون حدوث الانقسام بداية، أو منع تكريسه وتعمقه في نسيج المجتمع لاحقا.

هناك أفراد من النخبة في السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح لهم ضلع في صناعة الانقسام بداية ومستفيدون منه لاحقا، هؤلاء عملوا مبكرا، وما زالوا، على تكريس الانقسام وفصل غزة حتى يستطيعوا تمرير مخطط تصفية الحالة الوطنية وتمرير مخطط التقاسم الوظيفي الذي يتم الاشتعال عليه في الضفة، وبدأ مؤخرا تنفيذه فعليا في المسجد الاقصى. لذا لم يترك أفراد هذه النخبة مناسبة إلا ومارسوا التحريض وإثارة الفتنة ليس فقط بين فتح وحماس بل بين أهالي الضفة الغربية وأهالي قطاع غزة، وأجهضوا كل محاولة للمصالحة الحقيقية، ويتلاعبون بحركة تنقل الأفراد ما بين الضفة وغزة، ويقفون وراء إضعاف وتشويه حركة فتح ومنظمة التحرير، كما أنهم يناصبون العداء كل الوطنيين الشرفاء.

ثانيا: ليست حماس وحدها

بعيدا عن المناكفات السياسية الداخلية فإن حركة حماس ليست وحدها المخطئة والمتواطئة بل هناك أطراف عربية ودولية شاركت وما زالت تشارك في مخطط الفصل كما سبقت الإشارة. الغريب أن القيادة الفلسطينية والسلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح لا ينتقدون أو يتحدثون علنا عن دور الأطراف الأخرى في الانقسام، ولا يتخذون أو يطالبوا باتخاذ أي إجراءات في مواجهة هذه الأطراف المتواطئة، بل نلاحظ علاقة طيبة وحميمية ومصالح اقتصادية رسمية وغير رسمية متواصلة ما بين القيادة والسلطة من جانب وكل من قطر وتركيا من جانب آخر، كما لا تجرؤ القيادة والسلطة على انتقاد التحركات المشبوهة للرباعية ورئيسها ولا لممثل الأمم المتحدة، كما لا نلمس جهدا ملموسا تجاه مصر سواء من جهة وقف إذلال الفلسطينيين وخصوصا أبناء قطاع غزة في مصر وفي مطاراتها وعلى معبر رفح حيث تتم عملية إذلال ممنهجة، أو من جهة مشاركة مراكز قوى كبيرة في مصر في مخطط الفصل وصناعة دويلة غزة المسخ.

أن تتحدث منظمة التحرير والسلطة الوطنية عن مخطط أو مؤامرة تشارك فيها حركة حماس وأطراف خارجية لفصل غزة عن الضفة فهذا لا يعني تبرئتهما من المسؤولية عما جرى ويجري، لأنهم اصحاب المشروع الوطني وعلى رأس السلطة الفلسطينية وكل ما يجري يتم داخل مناطق السلطة. إن مجرد انتقاد حركة حماس والتحذير من مفاوضات بين حماس وإسرائيل ومن مخطط فصل غزة لا يُسقط المسؤولية عن القيادة الفلسطينية ولا يكفي لوقف تنفيذ هذا المخطط.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
الأمن القومي المصري الفلسطيني المشترك
2017-07-20
تفاهمات القاهرة والتلاعب بمصير وطن
2017-07-16
تصورات مغلوطة حول العلمانية والدولة المدنية
2017-07-13
لعنة السلطة الفلسطينية
2017-07-09
لعبة الأمم مرة أخرى
2017-07-06
مبادرة الرئيس الفلسطيني وتفاهمات حماس - دحلان - مصر
2017-06-29
أية تسوية سياسية الآن ستكون أسوأ من اتفاقية أوسلو
2017-06-22
رد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني
2017-06-17
بعد عشر سنوات: الانقسام لماذا؟ وإلى أين؟
2017-06-14
حركة حماس أمام اختبار صعب
2017-06-01
المزيد

 
>>