First Published: 2015-07-09

التعايش الملغوم بين داعش وحماس

 

التعايش الحاصل بين الأفاعي يؤكد أن جميع التنظيمات المتشددة خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

اعترفت أم أنكرت حركة حماس، هناك حزمة من المصالح الأمنية والسياسية والعقائدية، تربطها بتنظيم داعش، ظهرت في شكل تعاطف مع العملية الإرهابية الأخيرة في سيناء، بالصمت وعدم الإدانة، وكانت تتصور أن نجاحها سيمثل ضغطا على مصر، فتضطر إلى تخفيف قبضتها على قنوات التهريب، الذي لا تزال بقاياه مستمرة عبر الأنفاق والأشخاص.

وقد كشف فشل العملية عن ملامح كثيرة لمخططات كانت تتم في الخفاء بين الجانبين، ويمكن تفسير المناوشات والاحتكاكات التي وقعت بينهما في قطاع غزة، على أنها مناورة للتغطية على ما حدث في شمال سيناء الأسبوع الماضي، حيث تعمدت حماس تصعيد موقفها ضد عناصر داعش في القطاع قبيل العملية، للإيحاء أن هناك أزمة حقيقية بينهما، وإبعاد الشبهة عما سيجري لاحقا، خاصة أن بعض التقديرات الأمنية لم تستبعد تورط الحركة في دعم عناصر التنظيم في سيناء، الأمر الذي يتنافى تماما مع التطمينات السياسية التي ظهرت ملامحها، حول إمكانية قيام حماس بمد مصر بمعلومات عن العناصر المتطرفة التي انتقلت من غزة إلى سيناء، على خلفية حكم رفع إسم الحركة من التنظيمات الإرهابية في مصر، والرسائل السياسية الإيجابية التي جرى تبادلها عقب هذا الحكم.

عملية الأربعاء الدامي، لم توجه ضربة موجعة للعناصر الإرهابية في سيناء فقط، لكنها وجهت ضربة معنوية مؤلمة لحماس، وربما تقطع آخر خيوط الثقة في نواياها، وتأكيد صعوبة أن تعود المياه السياسية إلى مجاريها الصحيحة مع مصر، لأنها لا تزال تصر على التعامل بأسلوب الحركة الأيديولوجي، وتغليبه على المنطق الوطني، وهي بذلك لم تذهب بعيدا عن القناعات التي تتحكم في الخطاب الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين، وأدى إلى ارتكابها سلسلة من الأخطاء والحماقات، أفضت إلى حدوث قطيعة بينها وغالبية فئات الشعب المصري.

علاقة التعايش السلمي بين داعش وحماس، بدت كأنها تتم على طريقة المثل الشعبي"أنا وابن عمي على الغريب"، والذي تطبقه غالبية الحركات الإسلامية، لكن عندما تتعارض المصالح وتتعارك البطون يبدو هؤلاء على استعداد للتحالف مع الشيطان، طالما أنه سيكون مفيدا، وهو ما يسير بهم عكس الاتجاه المعلن في قضايا كثيرة، فتنظيم داعش لم يجرؤ منذ ولادته على أن يوجه سهامه نحو إسرائيل، وأوجد لنفسه مبررا ملتبسا يقول "أن الله لم يأمرنا بقتال إسرائيل أو اليهود، حتى نقاتل المرتدين والمنافقين".

لكن بعد فشل العملية الأخيرة، من المرجح أن يتخذ التنظيم إجراء تكتيكا، يغير به السياسة السابقة مؤقتا، ويحاول التحرش مع إسرائيل بالتنسيق مع حماس، وظهرت تجليات هذا الاتجاه باسقاط بضعة صواريخ أخيرا تجاوزت المنطقة الحدودية بين مصر وإسرائيل، لضرب مجموعة من العصافير بحجر واحد، منها محاولة توريط تل أبيب في ما يدور بسيناء، على أمل خلط الأوراق الإقليمية، وتحريضها على ضرب مواقع للإرهابيين في سيناء، من أجل استفزاز واستنزاف مصر ماديا أو معنويا، وإذا نجحا في فرض سيناريو المزيد من توتر الأوضاع في سيناء، يتم تسليط الأضواء عليها، باعتبارها بؤرة ملتهبة، والترويج على أنها في الطريق للخروج من سيطرة الحكومة المصرية.

إذا تم مد الخيط على استقامته، فإن النتيجة التي بنت داعش وحماس مخططهما عليه، تقوم على قاعدتين. الأولى تخفيف الضغوط الواقعة على جماعة الإخوان في مصر، والتغطية على العنف الذي تمارسه عناصرها الآن، ولفت الأنظار بعيدا عنه، عندما يتسع نطاق انخراط الجيش في مكافحة الإرهاب، لذلك كانت إشارة الرئيس عبدالفتاح السيسي ذكية بخصوص أن تعداد القوات المسلحة الموجودة هناك لا تتجاوز الواحد في المائة من قوته الفعلية، ما يوحي بضعف الإرهابيين، وتجديد الثقة في كفاءة الجيش الذي يتعامل معهم بأقل القليل من طاقته.

أما القاعدة الثانية، فتقوم على أن أي ارتباك في الأوضاع بمنطقة شمال سيناء، عبر داعش وغيرها، تعتقد حماس أنها يمكن أن تجني من ورائه مكاسب عدة، من خلال زيادة عمليات تهريب السلاح إلى سيناء، وضخ كميات إضافية منه للمتطرفين. ومع تعاملنا بحذر مع المعلومات التي تدفقت من مصادر إسرائيلية مختلفة، بشأن تأكيد علاقة التنسيق والتعاون بين داعش وحماس، إلا أنها من المرات النادرة التي تتحدث فيها جهات متعددة في تل أبيب حول هذه المسألة، بل وأكدتها بالإشارة إلى مواقف محددة، حول علاج عناصر متشددة في مستشفيات غزة، وتهريب السلاح والبشر، والقيام بتدريب عناصر داعشية في القطاع وتهريبها إلى سيناء، ولم تقدم حماس ما يدحض هذه المعلومات.

التعايش الحاصل بين الأفاعي، يؤكد حقيقتين، الأولى أن جميع التنظيمات المتشددة خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، والتعاون الذي يتم في الخفاء بين حماس وداعش يعزز هذه النتيجة، حتى لو تنصلت منها الحركة، وزعمت أنها تخوض معركة ظاهرة مع المتطرفين في غزة، والثانية التمسك بسياسة تقديم المصالح الحركية على الوطنية، والإصرار على التضحية بما هو إستراتيجي لحساب التكتيكي، فالقضية الفلسطينية تراجعت في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، بسبب الحسابات والتصرفات الضيقة التي تبنتها وقامت بها حركة حماس، اعتقادا أنها سوف تتمكن في يوم ما، ولو بعد مائة عام، من أن تسترد زمام المبادرة، وقد جنت إسرائيل أرباحا كبيرا، جراء هذا النوع من التصورات الغيبية المستقبلية، التي ترفض التعامل مع الواقع بصورته الحقيقية، وتهرب منه بحكايات خيالية.

فكرة إمكانية التعايش المستتر التي نوه إليها البعض بين داعش وحماس، أملا في سيطرة ما يسمى بالتيار الإسلامي "المعتدل" على نظيره المتشدد، ثبت فشلها بامتياز، فقد كانت واحدة من الرهانات الغربية لتمكين الإخوان في مصر، استيعاب المتطرفين وصهرهم داخلها، لكن ما حدث هو العكس، حيث ابتلع المتشددون ما يسمى بـ "المعتدلين" وأصبح الجميع في خندق التكفيريين والإرهابيين، بالتالي يمكن وصف التحالف الصاعد بين حماس وداعش بـ "التعايش الملغوم"، لأنه يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير الوجه الذي درجت حماس على تسويق نفسها من خلاله، وتصبح جزءا أصيلا في شبكة العنف المشتعلة في المنطقة، وتخسر ما كسبته بالمراوغات والمناورات الإقليمية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>