First Published: 2015-07-12

المتطرفون يقدمون الإسلام كلغم في جدار الزمن والعقل

 

ما هو مؤكد أن الدولة العراقية قد ماتت. هناك واقع جديد اليوم أو هناك كارثة بشرية قادمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

صرح مايكل هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) باختفاء العراق وسوريا رسميا من على خريطة الدول العربية. وهذا صحيح بحكم الواقع الماثل أمامنا ولا علاقة له بمشاريع تقسيم. الذي يتحدث عن تقسيم جديد للمنطقة واهم، بل هناك احتمال انهيار شامل للنظام، وصعود قوى مبهمة في المنطقة.

إن العراق كدولة انتهى في الخيال والوعي والضمير، قبل أن ينتهي في الواقع. لا توجد دولة بهذا الإسم اليوم. المشكلة هي أن السنة لم يعودوا كالسابق يفكرون بإقليم ومطالب سياسية. الدواعش خلقوا حالة من الطموح وجعلوهم يشعرون بأنهم أصحاب رسالة وليس طلاب كلأ ومأوى وأجزاء متفحمة من بلد محترق. وهذا الطموح قد يكون قاتلا ويؤدي لإبادة السنة، وقد يكون حقيقة ستنتشر وتتحول إلى واقع.

ما هو مؤكد أن الدولة العراقية قد ماتت. هناك واقع جديد اليوم أو هناك كارثة بشرية قادمة. نحن نرى طائرات التحالف وأميركا، ونرى الأكراد والشيعة وإيران، كل هؤلاء يحاولون منع شيء ما من الحدوث، هذا واضح جدا.

في الجانب السوري أيضاً تبدو الثورة السورية في الإنعاش، فأي ثورة هذه التي يقودها أمثال العريفي والجولاني والعرعور. واحسرتاه على الياسمين الذي احترق بحلب. واحسرتاه على صبية يلعبون تحت جدرانك العريقة يا حمص.

الدولة الإسلامية المزعومة تحكم نصف الأراضي العراقية والسورية وتخوض حروبا على جبهات متباعدة في وقت واحد، لو خاضها أي جيش نظامي آخر لانهار. أي أن الواقع بدأ يفرض نفسه وقضية الحلول العسكرية تتراجع.

السؤال المطروح أمامنا متعلق بالإسلام كهوية أكثر منه قضية تقسيم جديد للمنطقة، فلا يبدو الشرق منطقة قابلة للسيطرة كما كانت بدايات القرن العشرين، حين قسم البريطانيون والفرنسيون تركة الإمبراطورية العثمانية العجوز. فما هي علاقة الموصل بمصراتا؟ وما هي علاقة مدينة الرقة بسيناء؟

الدواعش عندهم خبرة متراكمة تمتد إلى حروب أفغانستان ثمانينات القرن الماضي، ويعلمون بأن قوة الولايات المتحدة في هذا الطرف البعيد جدا عن أرضها تعتمد على الدعاية والإعلام أكثر من الواقع. في النهاية سيكلف خوض حرب طويلة من هذا النوع تريليونات جديدة من الدولارات، وربما تعرض اقتصاد الولايات المتحدة إلى أزمة مالية جديدة.

فمَن يمتلك المال الكافي لمطاردة الدواعش من أفغانستان إلى ليبيا مرورا بالعراق وسوريا؟ ومن الذي يضمن نتائج حرب دينية كهذه؟ أعتقد بأن الولايات المتحدة قد تتحول من الإحتواء إلى التفاوض مع الدولة الإسلامية، وربما تنسحب فجأة تاركة مصير المنطقة في مهب الريح.

يعلم الأميركان بأن الدواعش يخططون لخلق مناطق "توحش" يقومون هم بإدارتها، أي السيطرة على مدن وقرى خارج النظام الدولي والعالمي، ومن هذه المناطق يتم إدارة الحرب والتمدد الجغرافي، الدواعش صرحوا بأنهم لا يؤمنون بمنطق المعجزة الجهادية كالانقلابات العسكرية الخاطفة أو بناء المؤسسات الدينية والمالية والمجتمع المدني. فهم يقولون صراحة بأنهم يبدؤون ككرة ثلج تتضخم مع الوقت. وتراهم يضربون لك مثلا بالحروب الصليبية التي كانت مدينة بنجاحها إلى المحاربين المسلمين في التجمعات الصغيرة، والقلاع المتباعدة، والقرى النائية التي شاركت بالحرب بشكل مستقل.

كما لا يخفي المتطرفون بأنهم استفادوا من حركات يسارية مسلحة في أميركا اللاتينية أيضاً. خلق مناطق توحش وإدارتها ثم الزحف العسكري والإعلامي نحو بناء أمة. فأين تقع مدينة الرقة والموصل وتدمر والرمادي اليوم؟ إنها مدن قد خرجت من النظام الدولي ودخلت في التوحش، حيث تتم إدارتها وعسكرتها في حرب طويلة لبناء الدولة التي يحلم بها المتشددون.

لقد عرف الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله هؤلاء الدواعش، وقال بأنهم سيصلون إلى أميركا نفسها إذا لم يجد العالم لهم حلا. الدواعش ليسوا حزبا يخلط الدين بالسياسة، بل تأسيس دولة على أنقاض ممالك قديمة ومطمورة بالقرون والتاريخ الإسلامي.

الإسلام اليوم هو في الغالب حالة فصام مع الواقع "اغتراب" وجودي، لأن المسلم يعيش في عالم مختلف خلقه الأجنبي، ويحمل في قلبه بأن الأرض يرثها العباد الصالحون. يبدو المسلم في حالة من التضاد بين غلبة الواقع العلماني الباهر من جهة، والحنين الإسلامي الغامض من جهة أخرى. هذا الإسلام التائه الرومانسي الجميل هو هذيان ضائع، رثاء وجداني على شكل قراءات مؤثرة للقرآن الكريم وأناشيد روحية في مساجد مزدحمة بشكل غريب حول العالم، عاطفة فياضة وعبثية ترضي نرجسية الذات وأوهام الصلاح الأخلاقي، نوع جديد من الوجع الذي يخفف الوجع الأساسي بالحياة. هذا إسلام يمكن أن نسميه بـ "تأبيد الإسلام" في استرجاعه واستحضاره وندائه.

وهناك من جهة أخرى ذلك الإسلام الآخر الخطير، الذي يحاول قلب الواقع والقفز نحو المجهول. وكأن الإسلام ديناميت في خاصرة الحضارات والتاريخ. يستعيد المتطرفون حكايات عملية مثل حكاية بلال الحبشي، العبد الأسود الذليل الذي صار بالإسلام حرا وصوت الإنسان في المئذنة. عمر بن الخطاب الذي استطاع بإسلامه بناء أعظم دولة وحضارة في عصره. خالد بن الوليد الذي حقق أسطورته العسكرية وعبقريته من خلال إسلامه. المتطرفون يقدمون الإسلام كلغم في جدار الزمن والعقل.

إن الإسلام في الحقيقة ليس شيئا نرثه ولا شيئا نمتلكه، هو في الواقع هوية في حالة صيرورة وغير منجزة، لأنها علم وعمل وجماعة في تفاعل غامض. هذا هو جدل الإسلام في التاريخ الذي حير المؤرخين، لأن الزمن الإسلامي يسير في دوائر، أي أن زمن المسلم يدور حول القرآن الكريم ولا يتجاوزه على الإطلاق، الصلوات الخمس والأذان جعلت الزمن يتقعر في قلب الإسلام. وكأن الدين هنا تاريخي ومطلق في نفس الوقت.

وبغض النظر عن أحلام المتطرفين المخيفة، يبدو الإسلام اليوم في قلب الصراع السياسي للشرق الأوسط. في النهاية لابد للإسلام من التصادم مع العصر، وهذا التصادم سينشأ أساسا من دخول الإسلام الى العصر، فهو يسير منذ قرون بشكل موازٍ للحضارات والامبراطوريات المنتصرة، إلا أنه كما يبدو يحمل انتصاره وذاكرته الامبراطورية القديمة. يتساءل المتطرفون بمكر كيف يمكن لدين ضخم كالإسلام أن يتحكم به خمس دول في مجلس الأمن كلها غير مسلمة وتمتلك حق التشريع الدولي والنقض والڤيتو؟

العالم المتحضر القوي قد سن قوانين وشرائع، ومنها حرية الإعتقاد وحرية الرأي، فلا يستطيع الإسلام طرح أفكار متعلقة بالردة والشرك والكفر، هذه أفكار مرفوضة تماماً من قبل الغرب الليبرالي. هناك تصادم جذري اليوم بين الحضارتين كما هو واضح. وربما على الفقهاء المعتدلين بذل جهود أكبر للحيلولة دون ذلك التصادم بين الإسلام والحضارات الأخرى.

لقد كانت هناك فرصة بالتعايش السلمي، فنحن لم نسمع من قبل بخطر عالمي اسلامي، الا أن احتلال الأميركان للعراق وأفغانستان، وهذه الطائرات المحلقة ليل نهار فوق بلاد المسلمين جعلت العلاقة معقدة، وسمحت بظهور التطرف الديني على هذا النحو الخطير الذي أدى الى اختفاء دول وشعوب بأكملها من الخارطة السياسية القديمة كالعراق وسوريا.

اخطر ما في الدواعش هو استنساخهم لرسالة "التوحيد" كما طرحها الشيخ محمد بن عبدالوهاب ( ت 1791)، ونحن نعلم بأن "التوحيد" هو أساسا مشروع إمبراطوري وليس مشروعا ثقافيا ودينيا فقط. فما هو ضرر الشرك بالله؟ أليس ما يفعله أهل العراق اليوم أسوأ بكثير من مشركي قريش، ينذرون للأضرحة الذهبية، ويضربون رؤوسهم بالسكاكين، ويبتهلون ويبكون ويحلفون بها ويحجون إليها ويدعون بها. أليس ما يجري اليوم أضخم بكثير من تلك الممارسة المحترمة لمشركي قريش؟

فما هي المشكلة بالشرك؟ ولماذا يصر الدواعش على التوحيد؟ ويرددون الآية "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ". في العراق اليوم الحياة مستمرة وكل شيء طبيعي فلماذا التوحيد؟ يا هبل ويا علي ويا حسين ويا مناة ويا زهراء ما هي المشكلة؟ لماذا كل تلك الدماء والمشاكل لأجل التوحيد؟ ما الغاية؟ خصوصاً ونحن نعيش في عصر احترام الرأي الآخر والثقافات الأخرى مهما كانت.

ذات الأمر يتكرر في التاريخ والدواعش ليسوا رومانسيين على الإطلاق "أرأيتكم ان أعطيتكم ما سألتم فهل تعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب ويدين لكم بها العجم" هذا فخ خطير وحنين إلى السلطان قد وقعت المنطقة العربية فيه بسبب سياسة الأميركان وتحالفاتهم مع الصفويين، دون حسابات للجيولوجيا الثقافية والعقائدية الخطيرة في هذا الجانب من العالم.

التوحيد في الحقيقة رسالة امبراطوريات وسلطان، فهو ليس إصلاحا للفرد بل بناء للدول والجيوش. التوحيد هنا معناه سياسة وبيعة حرب لا بيعة نساء. نحن في ورطة وعلينا أن نجد مخرجا فكريا، فقد استفز المشروع الصفوي مشروعا مضادا يحمل كل ملامح الخطر التاريخي والسياسي.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>