First Published: 2015-07-12

التكنولوجيا التخريبية

 

اقتراب انطلاق الخدمات الكبرى لغوغل وآبل وفيسبوك في تقديم خدمات إخبارية للمستخدمين لا يمنح سوق الصحافة المريضة الاحتفال بشفائها النهائي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

اختار مراسلان في صحيفة الفاينشال تايمز تسمية “التكنولوجيا التخريبية” وهما يعرضان للمحنة المتصاعدة التي تعاني منها الصحف حيال تسويق الأخبار من قبل المواقع الكبرى، فعصر الإنترنت لم يكن لطيفا مع ناشري الصحف، هكذا اختصرا الواقع الجديد.

فمع إعلان غوغل وآبل وفيسبوك تقديم خدمات إخبارية للمستخدمين، فإن مثل هذه المواقع التي تكاد تجمع غالبية سكان الأرض “أعضاء فيسبوك وحده أكثر من سكان الصين” تزيد في تسريع الانخفاض في عدد النسخ الورقية الموزعة للصحف.

فيسبوك: سيتمكن المستخدمون المتنقلون على وجه الخصوص من التمتع بقراءة الأخبار بشكل أسرع وأكثر سلاسة.

آبل: جمعت عشرات الناشرين في خدمة “آبل نيوز” في تطبيق سينطلق هذا الخريف تكون الخدمة الإخبارية عرضا غير محدود من المدونات والفيديوهات والمواقع الإلكترونية.

غوغل: ستزيل فكرة المواقع الإلكترونية للصحف أو المجلات بوصفها علامات تجارية فردية يتم استيعابها بالكامل، بدلا من تفكيكها إلى مواضيع منفصلة ونشرها عبر تطبيقات مختلفة.

مثل هذه المواقع استثمرت فكرة زيادة الوقت الذي يحتاجه المستخدمون على الهواتف الذكية، فقد أصبحت تلك الهواتف الطريقة المهيمنة لقراءة الأخبار.

وستتخلى ببساطة هذه الشركات الكبرى ومواقع التواصل الاجتماعي التي حققت نجاحات كبيرة عن مبادئها التأسيسية بالخروج المعلن عن تلك المبادئ وإنشاء صومعة مغلقة المحتوى.

عندما أطلق المدير العام لوكالة الصحافة الفرنسية إيمانويل هوغ قبل أعوام ما سمي حينها “قنبلة إلكترونية” بإعلانه بيع الأخبار إلى المستخدمين مباشرة، متجاوزا الصحف والمحطات التلفزيونية والإذاعات، فسّرت دعوته بالخروج من نظام صارم تقوم بموجبه وكالات الأنباء ببيع إنتاجها للصحف التي تبيعها بدورها إلى الجمهور.

وهاهي الصحف تخرج بشكل ما من هذا النظام الصارم بوجود المنصات الإخبارية الكبرى، بل إن وكالات الأنباء ستجد نتاجها الإخباري يصل متأخرا وغير ذي فائدة في عصر “الإنترنت لم يكن لطيفا فيه مع الصحف وفق تعبير هانا كوشلر واثيو غاراهان في الفاينشال تايمز”.

وإذا كان المحللون قد تمهلوا كثيرا في قبول بيع “المحتوى المتميز” على الإنترنت على اعتبار ألا أحد منا على استعداد لشراء الأخبار، إنها غالبا ما ترمى يوميا في سلة “الرابش” وفق التعبير الإنكليزي المفرط بالتفاؤل، فإن ثورة غوغل وآبل وفيسبوك ستضع الصحف في سجن شراكة يتحول إلى مصهر يذيب تاريخها بمرور الوقت.

كما سيفقد الويب الوظيفة التي أوجد من أجلها بتحويله إلى جزر مبعثرة في تطبيقات خاصة، أو كما أسماها تيم بيرنرز لي مخترع الويب بـ “جزر مستقلة ضمن سياج كبير اسمه فيسبوك”، لتصبح الإنترنت مجرد بنية تحتية لعدد كبير من التطبيقات بعدما كان الويب/المتصفح هو التطبيق الأساس.

فالأنظمة المغلقة التي توفر محتوى محدودا للمشتركين، لها مساوئها مقارنة بالأنظمة المفتوحة، وأن الاحتكار يهدد روح الابتكار، لكن الأفكار “رائعة الابتكار” وفق تيم بيرنرز لي، قد تكون أسرع في اقتناص الفرص غير المسبوقة.

لا ترقى المراهنة على الخدمات الإخبارية الجديدة إلى مرتبة الجدل، فثمة تصورات وإن بدا أغلبها متفائلا على اعتبار أن آبل وفيسبوك وغوغل أضاءت بارقة أمل لصناعة الصحف الكاسدة ومنحت السوق المريضة علاجا، ففيسبوك أدرجت تسعة ناشرين لخدمتها المسماة “إنستانت آرتيكيلز” من بينهم صحيفة نيويورك تايمز، وآبل سجلت عشرات الناشرين في خدمة “آبل نيوز” مثل نيويورك تايمز والغارديان والإيكونوميست وفاينانشيال تايمز.

إلا أن كارا سويشر الصحفية المختصة في تكنولوجيا الإنترنت أجابت على سؤال عما إذا كان هذا النوع من الصفقات سيتحول سريعا لصالح بعض دور النشر على حساب غيرها، بقولها “سوف يقومون باجتذابكم، ثم في وقت لاحق، عندما تصبحون معتمدين تماما على المضمون الذي يقدمونه، سوف يبادرون بالمطالبة بمقابل مالي. هذه فكرة سيئة للغاية”.

بينما يشير مارك تومبسون الرئيس التنفيذي لصحيفة نيويورك تايمز والمدير العام السابق لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إلى فوائد من هذه الشراكة الغامضة بين الصحف ومنصات الأخبار الجديدة كون الصحيفة قادرة على توفير محتواها من الأخبار لجمهور جديد واسع.

ويقول “نحن نتحدث عن فرصة لتوزيع المحتوى دون تكلفة على الإطلاق إلى أكثر من مليار شخص تماما”.

أما غوردن كروفيت الناشر السابق لصحيفة وول ستريت جورنال فيرى أن الخدمات يمكن أن تعمل على إضعاف العلامات التجارية للناشرين باعتبارها مواقع مقصودة وتعزيز العلامة التجارية للمنصة.

ومهما يكن من أمر فكل الدلائل المتوفرة مع اقتراب انطلاق مثل هذه الخدمات الكبرى، لا تمنح سوق الصحافة المريضة الاحتفال بشفائها النهائي، وقد تجد لها مسلكا في عبور مرحلة الخطر، لكن يبقى الطريق مقلقا أمام الورق.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>