First Published: 2015-07-14

العونية: ثلاثية الكره والخوف والجهل!

 

تغرفُ العونية أحلامها من خطبٍ بالية ما زالت تعتبر أن المسيحية في لبنان مصدر وحيد للثروة، وبالتالي قاعدة للحكم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يحقُّ لميشال عون أن يمارسَ فنون السياسة في حدودها القصوى الأخلاقية واللاأخلاقية. السياسةُ فنُّ الممكن، لكنها أيضاً عبثُ اللاممكن. والرجلُ في سعيّه المنطقي نحو رأس السلطة يغرفُ مما توفّره الحقول من ثمار في حلوّها وفي مرّها. باختصار، ميشال عون ماكيافيلي الطباع، وليست الماكيافيلية إلا وصفة كلاسيكية لا تتقادمُ لحكم العباد.

ولئن يمارسُ السياسي حرفتَه، فيصيبُ هنا ويخطئُ هناك، يعِدُ بشراسة تارةً ويلعقُ وعودَه بنهم تارة أخرى، فقد يجوزُ أن نسلّط مجهراً على جمهور ميشال العون، الملّتحق بقائده والمصفّق لفتاويه. وقد يجوزُ التساؤل حول ما إذا كان عون هو من اخترع العونية، أو أن تقليعات بالية لدى مسيحيي لبنان أنتجت الرجل ونفخت بسيرته.

لا تنشطُ العونية وفق أدبيات من السهل تبيانها. لكن العجينةَ العونية تألّفت وتفاوتت مقادير حدّتها عن طريق استدعاء قناعات هي أقرب إلى معتقدات تعود إلى نثرات الضوء الأولى لتشكّل الكيان، وإلى مخاضٍ مسيحي داخلي حول قماشة هذا الـ "لبنان"، بين أن يكون مسيحياً خالصاً، أو مختلطاً ذا أغلبية ديمغرافية مسيحية وأرجحية لهم في الحكم.

لم يحسم الإعلان عن "لبنان الكبير"، بديلاً عن ذلك الصغير المسيحي الجبلي، الجدلَ عند المسيحيين. صحيح أن المُعلن أن البطريركية المارونية (بشخص البطريرك الياس الحويك) توسّلت الخيار المختلط من خلال ضمّ الأقضية الأربعة، لكن المعروف أيضاً أن قرار رسم البلد وحدوده كان قراراً دوليا، بغضّ النظر عن مراعاته الحقيقية لهواجس المسيحيين.

لم تسمح أرجحية الحكم للمسيحيين في فترة ما قبل نشوب الحرب الأهلية بتنامي أيديولوجية لبنانية جامعة في العقل السياسي المسيحي. مارس الساسة المسيحيون السلطة بصفتهم "متسامحين" مع الوجود المسلم في البلد، بمعنى أنهم قابلون بهذا "القدر" طالما أنه لا ينال من "امتيازاتهم". أطلّ بعضُ منظريّ المارونية السياسية في لبنان على المنطقة برمتها بصفتهم جنساً متفوقاً يصدّ "رياح التخلف القادمة من الجزيرة العربية"، على حدّ تعبير واحد من قيادات حزب الكتائب في تلك الفترة.

وتجاوزاً لتيارات وشخصيات مسيحية انتمت أيديولوجياً للقوى اليسارية والقومية، فإن المواقفَ المسيحية "المعترفة" بالمحيط العربي وضرورة مراعاته، أو المؤمنة بضرورات الشراكة الكاملة مع بقية أبناء الوطن الواحد، عُدّت نشازاً مناكفاً للعقلية المهيمنة على الفعل السياسي المسيحي، وظهرت ملامحها واضحة في معارضة انخراط المسيحيين في الحرب الأهلية، فهمّش دورها وحضورها داخل دوائر القرار المسيحي، وتم نفيّها إلى خارج الجغرافيا المسيحية.

ترعرعت الأحزابُ المسيحية على مسلّمة الدفاع عن الوجود المسيحي في لبنان. لكن عقيدة الدفاع لم تكن تعتبر التآلف والتكامل مع المحيط أداةً مثلى لحماية المسيحيين، بل بالعكس آثر أولئك الغيورون على المسيحية والمسيحيين التمترسَ الدائم في الداخل، واستدراج الحماية من الخارج، ما حوّل ذلك الوجود إلى ورشة تناكف وضعت المسيحيين في الرياح المضادة لقوى المنطقة العابرة للحدود منذ الاستقلالات.

على هذا اقترب المسيحيون من حلف بغداد حين كان المزاجُ العربي مضاداً له، وتوجّسوا من الوحدة السورية الناصرية حين كان المزاج الشعبي، في لبنان والمنطقة، مغتبطاً لها، واكتفوا بالعروبة "وجهاً" من وجوه لبنان حين راجت العروبة من المحيط إلى الخليج.

تغيرت الظروف التاريخية للمنطقة بأجمعها. إنتصر "الخيار العربي" في لبنان وداخل البلد تحت مظلة الوصاية السورية، بعد استنجاد المدافعين عن المسيحيين بنظام دمشق حامياً. كفر المدافعون عن العروبة بتلك العروبة التي تحتلُ بلدهم، فيما مارس المسيحيون مراجعةً كبرى أفضت إلى تطوّر الأداء السياسي، ربما مكرهين، في الاعتراف بأن زمن التفوّق قد ولى، بغضّ النظر عما إذا كان سبب ذلك فشلاً في ممارستهم للسياسة وقصوراً في فهم واستشراف متغيرات المنطقة، أو إنقلاباً بالقوة مارسته المنطقة وامتداداتها اللبنانية على طبائع الحكم في لبنان.

ينتمي العونيون إلى حقبة قديمة لم تلحظْ "طائفا" ولم تنتبه لاندثار الحرب الباردة. تغرفُ العونية أحلامها من خطبٍ بالية ما زالت تعتبر أن المسيحية في لبنان مصدراً وحيداً للثروة، وبالتالي قاعدة للحكم. تتكئ العونية على على ما تبقى من مقت مسيحي لمحيط مسلم، وإن كانت الماكيافيلية الشهيرة تمارسُ ترف التفضيل بين السنّي والشيعي والدرزي على مائدة المصلحة المسيحية ووفق مواعيد تناول الوجبات (تعبيرات عون ضد السنَة لا تقنع الشيعة بغرامه بهم).

بين ثنائية الكره والخوف تتخصّب دينامية تكتل العونيين حول "عونهم". وفي ديناميات كره الآخرين، لا بأس من التشفي من فتنتهم واستغلال تقاتلهم. ومن أجل الـ "غاية التي تبرر الوسيلة"، فكما كان الهوى الغربي مصدرَ حماية في زمن ما، وليس مصدر إلهام وتمثّل بنموذج حضاري، فإن هوى إيران وتوابعها في لبنان الملتصق بنظام دمشق، يصبح منطقياً في قصة الاستقواء العتيقة بأي خارج لطحن خصوم الداخل.

يخبرني عونيٌّ أن الفيدرالية حلّ عادل للمسيحيين، ذلك أن في البلد من "يدفع" وفي البلد من لا يدفع، وحين أُمعن في النبش عن لبٍّ للأحجية، يفيدني أن جابي الكهرباء، مثلاً، حين يطرقُ باب مسلم لجباية ما، تردُ سيدة البيت من وراء الباب مدّعية أن رجل البيت ليس موجوداً، ولا تستطيع أن تفتح الباب، وعليه (وهنا مكمن المعضلة) لا يدفعُ المسلم ويدفع المسيحي. أجل بهذا التبسيط تعبّر العونية عن بساطة إشكالية تُحلُ ببساطة أقرب إلى الغرائزية.

اضافة إلى ثنائية الخوف والكره تتشكلُ ثلاثية الأحجية بانضمام عامل الجهل. لا يعرفُ العونيون شركاءهم في الوطن. "الإنسان عدو ما يجهل"، على ما يخبرنا الإمام علي إبن أيي طالب. وهم وإن أقبلوا على "التفاهم" مع حزب الله واندفعوا لمناصرة خيار المقاومة (دون أن يعنيهم الانخراط بها)، فهم قلما عرفوا "الضاحية" أو اكترثوا لزيارة قرية جنوبية، ناهيك عن عدم اهتمامهم لاكتشاف راهن المسلم هذه الأيام، وأحوال زوجته التي لا تفتح الباب للجابي.

يخافُ العونيون من "تخلّف" المسلمين، لكنهم يرتعبون أكثر من تقدمهم وحداثتهم واعتدالهم. يأنسون لصورة يقدمها حزب الله عن الإسلام فيتدثرون بها تلميعاً لتفوقهم، ويستعيرون ظلامية داعش لتخفيف عتمة عصبيتهم. أما نماذج الاعتدال التي تطغى على سلوك الشركاء المسلمين، فذلك، في عرفهم، زيفٌ لا يتّسق مع نمطية تروق للبلادة في الأذهان.

العونيةُ هي بقايا علقت في قعر الفضاء المسيحي بعد مراجعة تجديدية طبيعية قامت بها التيارات المسيحية التاريخية. بمعنى آخر، هي امتدادٌ لمنطق ساد في زمن ما وليست وليدة عبقرية مستحدثة خرج بها إعجاز راهن. وإذا ما قيّض للعونية أن تنعم بتأييد تيارات مسيحية مستقلة عنها، فلذلك حيثيات تتعلقُ بالاصطفافات وظروفها المتوّلدة منذ الانقسام بين معسكرين، وأن تبرؤ تلك التيارات من عفن علق في زمن قديم يفسّر استعدادها لمغادرة المركب حال توفّر الموانئ المواتية.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>