First Published: 2015-07-14

ما بعد عصر الثرثرة

 

الهواتف الذكية خلصتنا من الثرثرة لكنها أصابتنا بمرض الصمت ولم تعلمنا الصمت ككياسة وذوق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

هل أسهم الموبايل في جعل الإنسان أقل لياقة وكياسة وحفظا للسر الشخصي، بل هل أسهم في زيادة ثرثرة البشر وجعلهم يتحدثون في مسائل لا جدوى منها؟

يتحدثون من أجل الحديث وحده، بينما ميزة الإنسان تعلم الصمت، الكل يعرف الكلام وليس بمقدور الكل إتقان الصمت لأنه فن ودربة، بينما الكلام طبيعة.

دعونا نتصور مشهد شخص يتحدث مع زوجته بهاتفه وسط حشد من المسافرين في حافلة أو قطار أو بين مجموعة من الضيوف في مجلس ما أو مسجد أو مكتب عمل مشترك، لماذا يفرض علينا سماع مسائل تخصه وحده؟ ولماذا يثير استياءنا في تذمره وغضبه ومزاحه وتهكمه؟

جيل معاصر يقضي جل وقته في الكلام عبر الهاتف، كلام مكرر لمجرد الكلام، لا نجد أي فائدة منه، من دون أن ينطلق في دواخل أبناء هذا الجيل السؤال المثير عن تعلم الصمت! فهل قتل الكلام غير النافع القدرة على التفكير؟

ذلك أن الموبايل أدخلنا في عصر الثرثرة الكبرى، حتى وصل الأمر إلى أن نرى في الشارع شخصا يضع سماعات الآذان ويتكلم وهو يمشي ويحرك يديه ورأسه في حركة تعبيرية عن الاندماج مع المتحدث على الجانب الآخر من الهاتف، ولولا الصورة السائدة التي باتت معروفة لكان من السهولة إطلاق صفة المجنون على شخص يتحدث مع نفسه بصوت عال وهو يمشي.

فهل حقا أصيب الإنسان المعاصر بجنون التكنولوجيا، وهو جنون يمكن وصفه بمجموعة من الأمراض بحاجة إلى طب لم يُدرس بعد في الجامعات، أو بتعبير الروائي أمبرتو إيكو بأن الموبايل ابتكار سبب ضررا بليغا، لأنه لم يستخدم من أجل الاستفادة منه، فهو يرى أن الأطباء يحتاجون الموبايل أكثر من غيرهم، لكن لا أحد يبلغنا لماذا يحتاج السياسيون مثل هذا الهاتف وهم أصلا لا يردون على الهاتف؟

أرى أن المنتجين التكنولوجيين يفكرون “أحيانا” من أجل ثقافة الناس وليس من أجل الكسب المتواصل للأموال وحده، لذلك جاء الهاتف الذكي كنوع من الحل من أجل إيقاف ثرثرة العصر الكبرى، عندما فرض على المستخدم الصمت بدلا من الكلام، وأرغمه على التصفح والكتابة، فتغيرت صورة المشهد من شخص يتحدث وسط جمع من الناس، إلى شخص يحدق في هاتفه غير مبال بمن حوله، بل اتسع مدى المشهد لنرى مجموعة من الأشخاص يجمعهم مكان واحد لا يتحدثون مع بعضهم بل منشغلون بتصفح هواتفهم الذكية.

نعم خلصتنا الهواتف الذكية من الثرثرة لكنها أصابتنا بمرض الصمت ولم تعلمنا الصمت ككياسة وذوق!!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>