First Published: 2015-07-19

قليل من الامل اليائس

 

أفلت العرب مصيرهم حين انصاعوا لمنطق الميليشيات في حروب اهلية لن تنتهي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يفجع المرء حين يرى ان العالم العربي صار أكبر ماكنة في التاريخ لإنتاج اليأس.

ما من شيء يدعو الى التفاؤل. فمشكلة العرب لا تكمن في حاضرهم الذي لا يُسر، بل في المستقبل الذي صاروا على يقين من أنه سيكون أسوأ.

ولكن أحدا منهم لا يجرؤ على الاعتراف بأن صناعة مصير من هذا النوع كانت عربية خالصة. كان من الممكن أن يكون الوضع افضل لو أن المتخاصمين راجعوا أجنداتهم بروح وطنية، قادرة على الانفتاح على مبدأ المواطنة الحية التي هي سر نجاح المجتمعات المتقدمة. ولكنهم جميعا أبوا سوى الانصياع لمشاريعهم الضيقة القائمة على النظر بعداونية واستخفاف لحق الآخر في العيش.

ولهذا السبب فقد سادت الفوضى وتفشى الضياع وصار كل طرف يحمل أطرافا أخرى مسؤولية ما يجري من غير أن يلتفت إلى ما فعله وما قاله وما فكر فيه وما خطط له وما صار خادما له من مشاريع تفتيت وتشظ وتجزئة وتمزيق لنسيج اجماعي هو حصيلة تاريخ من العيش المشترك.

لقد أفلت العرب مصيرهم حين انصاعوا لمنطق الميليشيات في حروب اهلية لن تنتهي. بدت المجتمعات على حقيقتها، ضعيفة في مواجهة الضالين من أبنائها، متواطئة مع الكذب الذي صنع حقائق ملفقة ليطوي من خلالها صفحة واقع، كان فيه الناس يميلون إلى الخير والنزاهة والانصاف في أحكامهم وسلوكهم وأقوالهم.

أكان علينا أن ننتظر وقوع الكارثة لنعرف أن ثمن القبول بعزل وتهميش واضطهاد الآخر من بني جلدتنا والسعي إلى ارغامه على الصمت أو تصفيته إذا لم يرتضِ الذل لنفسه لا بد أن يكون باهظا، بل ومميتا؟

نظرة سريعة نلقيها على الفجائع التي تشهدها يوميا سوريا والعراق وليبيا واليمن سيكون في إمكانها أن تلقي بنا في هاوية سحيقة من اليأس من إمكانية أن تهتدي المجتمعات في تلك البلدان إلى موقع الراحة والاطمئنان.

ولأن تلك المجتمعات كانت قد استسلمت لضياعها حين وضعت مصيرها بين أيدي اللصوص والفاسدين والقتلة وقطاع الطرق والجهلة والمتعصبين من أبنائها فإنها صارت على ثقة من أن كل شيء قد ذهب إلى التيه ولم يعد في امكانها أن تستعيد السيطرة على احوالها.

هذا الوضع المتردي الذي تقدمت فيه الميليشيات والتنظيمات الدينية ذات النزعة الفكرية المتشددة المشهد وصار لها نفوذ واسع في الحياة السياسية كما هو حال حزب الله في لبنان وجماعة الاخوان في مصر قبل الاطاحة بها هو الذي سمح لتنظيم داعش وسواه من التنظيمات الارهابية بالتغلغل والتمدد والاستيلاء على مساحات شاسعة من الأرض العربية.

قبل الارض كان العقل العربي قد تم اختراقه واخضاعه للفتن الطائفية وسواها من المعارك والخصومات الرثة التي أخرجت العرب من التاريخ حين عادت بهم إلى عصور، لم يكن العقل فيها قد اهتدى إلى شروط تفوقه الإنساني.

عرب اليوم متخمون باليأس.

حتى مَن لم تصل النيران إلى حقوله صار يدرك جيدا أنه لن ينجو من الحريق إذا ما استمر الوضع في الحقول المجاورة على ما هو عليه. فالوحش الذي عاث بالعراق فسادا وسلم ملايين السوريين للتشرد واستباح اليمن وحرم الليبيين من هناءة العيش بعد سقوط الجماهيرية العظمى لا يزال قادرا على استلهام حيويته من الفقر الخيالي الذي تعيشه الحياة العربية في ظل نظام سياسي أظهر فشله في العودة إلى العقد الاجتماعي الذي ينظم علاقة الفرد بالمجتمع في اطار دولة مدنية.

القليل من الامل الذي يحلم فيه كل مواطن عربي يحتاج إلى جهد جبار من أجل صناعته، بإعتباره حقيقة ملموسة لا مجرد كذبة تتداولها وسائل الدعاية التي صادرت حق الناس في التفكير الحر والمستقل.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
آن لقطر أن تطوي مشروعها
2017-09-11
المزيد

 
>>