First Published: 2015-07-25

شعب يصنع متاهاته بيديه

 

العراقيون يتآمرون على أنفسهم بطريقة لا لبس فيها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يجيد العراقيون اضاعة أوقاتهم في ما لا ينفعهم. وإلا ما معنى الجدل الذي احتد بينهم مؤخرا في شأن الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه بين الغرب وايران؟ أهم في حاجة إلى متاهة جديدة يضيفونها إلى سلسلة المتاهات التي ضاعوا وأضاعوا بلادهم بين دروبها؟

لقد أقنعتهم وسائل الدعاية الحزبية ذات الاجندات الطائفية بأنهم معنيون بذلك الاتفاق، بحيث أخذ جدلهم طابعا طائفيا بين مرحب بإلاتفاق بإعتباره فاتحة خير للعراق وبين معارض له من جهة ما يمثله من خطر على العرب ولكن هل يحتاج العراقيون إلى من يقنعهم بالتفرغ للثرثرة الغبية في محاولة منهم لتناسي الواقع المأساوي الذي تعيشه بلادهم وغض الطرف عنه؟

إنه سؤال مؤلم هو وليد تجربة كئيبة في العيش كما في التفكير.

فما جرى وما يجري في العراق أمر لا يستطيع العقل السليم أن يقبله، غير أنه في الوقت نفسه يعجز عن تفسيره منطقيا.

فالبلد الذي تعرض إلى كارثة الاحتلال التي حطمت دولته وهدمت ما تبقى من بنيته التحتية سليما بعد حروب مدمرة وحصار طويل وغزو عسكري تلته حروب ابادة كانت في جزء منها اهلية يعد اليوم أكثر مناطق العالم بؤسا وتعاسة وفسادا في العالم.

لقد ارتكبت على أرض الرافدين جرائم في حق الإنسانية، كل واحدة منها تستحق أن يقف أمامها التاريخ ليلعن المستوى الوضيع والمنحط الذي وصل إليه الإنسان في عصرنا.

يكفي أن القتل لم يعد حدثا استثانيا يهتز المجتمع لوقوعه.

القتلى في العراق هم مجرد أرقام تذهب إلى الاحصائيات. مَن يراجع وقائع سنوات المأساة العراقية لابد أن يقف أمام مشهد مروع يشكله شعب من القتلى.

هل توقفت ماكنة القتل عن العمل لينشغل العراقيون بالملف النووي الايراني؟

كان عدم الاكتراث دأبهم من أجل أن لا يلتفتوا إلى حقيقة ما وصلوا إليه باقدامهم التي استعملها المحتل والحكومات (المنتخبة) في السير بمشروع الاحتلال إلى نهايته، كما لو أنهم منفصلون عن العالم، كما لو أن شعورهم الوطني قد غيب مثلما حدث للعقل تماما.

العراق اليوم يعيش أسوأ مراحله التاريخية. لا بسبب داعش الذي ما كان ظهوره ليقع لولا بؤس الاداء الحكومي الذي انتجته ديمقراطية زائفة وضعت الطوائف فوق الوطن وفوق الخبرة والكفاءة ونزاهة اليد.

لا يظهر العراقيون تذمرهم من غياب الخدمات الاساسية الكفيلة بإقامة حد أدنى من الحياة الإنسانية الكريمة بقدر ما يظهرون حماستهم للجلوس بين أيدي رجال الدين للإستماع إلى مرويات خرافية تقفل ما تبقى لديهم مفتوحا من أبواب العقل.

إنهم يدورون في الحيز الضيق الذي صنعه سياسيو مرحلة ما بعد الاحتلال بخلافاتهم الملفقة التي أريد لها أن تكون محور حياة العراقيين.

الغريب في الامر أن تلك التبعية المذلة لا تنحصر بالناس العاديين بل تجاوزتهم إلى ما يمكن تسميته تجاوزا بالنخب الثقافية التي تشمل العاملين في الجامعة والاعلام والأدب، وهم جمهرة لا تزال تمارس الصمت في مواجهة الحقيقة وهي إن تكلمت فإنها لن تتكلم إلا في ما لا ينفع كما هو الحال مع اتفاقية النووي الايراني.

وكما يبدو فإن العراقيين يتآمرون على أنفسهم بطريقة لا لبس فيها.

العراقيون هم ضحية مكيدة هي أشبه بالانتحار الذاتي.

لم تكن المتاهة التي صنعها الاحتلال مستعينا بعراقيين كان قد دربهم زمنا طويلا ليكونوا خدمه ولسانه ويده ودعاة ثقافته مكانا يمكن اجتيازه بيسر، غير أن المتاهات التي صنعها العراقيون بإنفسهم كانت أكثر تعقيدا من تلك المتاهة.

لذلك يفضل الكثير من العراقيين أن يتسلى بحصى اللعبة الطائفية بدلا من أن يلتفت إلى مأساة بلده التي يعرف جيدا أنه صار بإرادته أصغر من أن ينظر إليها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>