First Published: 2015-07-26

سلطة المواطن على الصحفي

 

من المفيد التذكير بسلطة المواطن الصحفي وتأثيرها اليوم، لمساعدة الصحفيين على الاعتراف بأن سلطتهم لم تعد كما كانت في الزمن الورقي كمصدر وحيد للأخبار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أنْ تزيل صحيفة مثل التايمز تتميز بحساسيتها الإخبارية العالية قصة تعد “حدثا” من منصاتها الرقمية تحت وطأة الانتقاد والاستياء الشديد في مواقع التواصل الاجتماعي، يعني أن سلطة المواطن الصحفي ارتقت مسافات أعلى من حساسية الصحفي.

من المفيد التذكير بمثل هذه السلطة وتأثيرها اليوم، بعد أن تغير سلوك القراء ولم يعد بالإمكان العودة بهم إلى الوراء، وعلى الصحفيين الاعتراف بأن سلطتهم لم تعد كما كانت في الزمن الورقي كمصدر وحيد للأخبار.

أو بتعبير كاثرين فاينر، رئيسة تحرير صحيفة الغارديان وهي تصف انتقال الصحافة الورقية إلى الرقمية، بأنه أشبه بالتحول من الحالة الصلبة التي تقدم الكتب والصحف المطبوعة إلى التدفق الحر في حالة سائلة، مع إمكانيات لا حدود لها وبسرعة هائلة تكاد لا تصدق. معتبرة مقاومة الصحفيين التقليديين للتغيير المتصاعد مضرا بالصحافة نفسها، ومطالبة الصحفي اليوم بأن يدرك أن دوره كصانع للحقيقة وشارح لها قد ولّى.

فقد أزالت صحيفة تايمز قصة إخبارية من موقعها على شبكة الإنترنت عن وفاة آرثر (15 عاما) ابن الممثل والموسيقي الأسترالي نيك كهيف، بعد سقوطه من منحدر في مدينة بيرتون، حيث حاول كثيرون مـن حوله إنقاذه لكـنهم لم يفلحوا.

تداعيات إزالة الخبر تبدو من الوهلة الأولى استجابة لاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي رأى أن القصة الإخبارية المنشورة لا تبدو لائقة بحزن مغن على وفاة ابنه. وهو ما دفع هيئة تحرير الصحيفة إلى الاعتراف بأن القصة الإخبارية التي نشرت تحت عنوان “دع طفلك يشعر بالخوف..” كانت “غير لائقة” دون أن تصدر اعتذارا علنيا.

وقال متحدث باسم الصحيفة “نشرنا قصة وفاة نجل الموسيقي نيك كهيف في طبعتنا الورقية، واعتبرنا في وقت لاحق أنها كانت غير مناسبة، فقمنا بإزالتها من المنصات الرقمية”.

محرر خبر الوفاة استفاد من مقابلات سابقة مع المغني نيك كهيف تحدث فيها عن تجربة أولاده في المواقف المخيفة، وكيف على الآباء “الوقوف في الخلف” عندما يقترب أطفالهم من وضع مخيف، من أجل أن يكتسب الأبناء الخبرة والدراية، كما أنه يشاهد مع أبنائه المراهقين أفلام العنف ولديه هاجس الموت قائم بشكل ما.

دعم محرر خبر وفاة الفتى آرثر قصته الإخبارية بمثل هذه التداعيات التي أثارت استياء المواطن الصحفي وأرغمت التايمز على سحب الخبر وهي صحيفة تصنف وفق المدارس الإعلامية بالثقافة العالية مثلها مثل الغارديان وليس بالثقافة الواطئة التي تجسدها صحيفة ذي صن الشعبية عالية التوزيع.

فمن يحدد حساسية الخبر الصحفي في زمن جيل الويكيبيديا وفق تعبير بيان الإنترنت؟ هل أنزل المواطن الصحفي بعد اجتياحه الفضاء الإعلامي، الصحفي من “برجه” وفرض عليه أن يعامله بالند وليس مجرد قارئ يتلقى رسائله المكتوبة وينشرها في أفضل الأحوال في صفحة بريد القراء.

لم تعد مثل هذه المعادلة قائمة، وانتهت مع انتهاء زمن التلقين الإخباري، وبمثل هذا التفسير يمكن أن ننسب قيام صحيفة مرموقة مثل التايمز إزالة قصة إخبارية وفقا لحساسية المواطن الصحفي التي تفوقت على حساسية محررها.

كانت تعليقات القراء على قصة وفاة ابن الموسيقي الأسترالي أشبه بمجهر مضاف يحلل تداعيات الخبر في عاصفة من التعليقات.

فقد وصفت بالقصة الفظيعة وأن بعض الصحف تمارس دورا مشينا دون أن تشعر بآلام أم ثكلى، وارتفع مستوى النقد الصحفي عندما كتب معلق أن صحيفة التايمز هبطت حساسيتها الإخبارية إلى صحف التابلويد الشعبية في قصتها عن عائلة ثكلى بوفاة ولدها.

بمثل هذه التعليقات أوصل الإنترنت القارئ السابق للصحيفة الورقية إلى أن يكون مشاركا يتحدث ويرُدّ ويجادل، بل ويحارب وجهة النظر التي تتبناها الصحيفة.

التدفق الحر للصحافة على الإنترنت ليس مجرد قيام المواطن الصحفي بنشر قصصه الشخصية وفق فكرة رئيسة تحرير الغارديان، بل هو بصدد إعادة رسم تصور دور الصحفي في المجتمع وعلاقته الأساسية مع الجمهور، ومعرفة كيف يفكر القراء.

فالإنترنت أعادت تشكيل محتوى الصحافة بمشاركة المواطن الصحفي في تحرير الأخبار وبثها، بعدما كان أقصى ما يفعله إرسال رسالة إلى محرر الصحيفة الورقية بصفته قارئا وينتظر أن تنشر.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>