First Published: 2015-07-30

جدل العد التنازلي لتخريب إيران

 

التفاعل الكبير مع مقالي السابق يظهر أهمية الاتفاق لقطاع كبير من المصريين، وأن هناك هموماً خارجية تشغل بعضنا أكثر مما نتصور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لم أتوقع أن يثير مقال الأسبوع الماضي "العد التنازلي لتخريب إيران" جدلا واسعا وسط قراء الأهرام، فقد كنت أقصد تحريك جانب من المياه حيال التعامل مع مغزى الاتفاق النووي الأخير، والذي صب معظمه في أنه انتصار ساحق لطهران على الغرب، وتتويج لسنوات طويلة من الصمود، أو أنه تفوق للولايات المتحدة وحلفائها، وتركيع تام لإيران.

وآثرت تحليل الموقف من زاوية ثالثة، وهي أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، ونتيجتها بمرور الوقت سوف تؤدي إلى تفوق الخيار الغربي الناعم على خيار القوة الخشنة، التي تسبب فشلها في الوصول لطريق التفاهم وتجرع السم، ومحاولة ترويج كل جانب لخطاب يرمي إلى أنه حصل على كل شيء.

لقد تلقيت تعليقات كثيرة مؤيدة لفحوى المقال، ومثلها رافضة أو متحفظة على الخلاصة النهائية، وتيقنت لأي درجة أن الاتفاق مهم لقطاع كبير من المصريين، وأن هناك هموما خارجية تشغل بعضنا أكثر مما نتصور، وشعورا كبيرا بأن ما يجري من تفاعلات في الفضاء الإقليمي سوف تكون له انعكاسات وتداعيات مباشرة على مصر، وأن المشكلات والأزمات الداخلية المختلفة، لم تله الكثير من المواطنين، أو تبعدهم عن الاهتمام بالساحة المجاورة، التي تموج بتحركات وتطورات وتغيرات جارفة، لم تتضح غالبية معالمها.

الواضح أن الاتفاق النووي سيكون بداية لتحول حقيقي في المنطقة، تتجاوز رياحه السياسية حدود إيران، لذلك ناقشني البعض في جوهر فكرة تخريب إيران، والتي استندت إلى تجارب سابقة، واستحقاقات لاحقة، وذهب آخرون إلى تعظيم قدرة طهران على تجاوز الهواجس، والصمود في مواجهة العواصف، ومن بين هؤلاء وهؤلاء أنتقي عدداً محدوداً من التعليقات التي تعبر عن وجهة نظر كل فريق.

فمن الفريق المؤيد للمقال، تفضل الدكتور عبدالمنعم المشاط أستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون الأمن القومي، بالثناء على مضمونه، والزاوية التي تطرق إليها في التحليل الأخير، وقال "هذا مقال للمستقبل، من الممكن جدا أن يحدث ما توقعته من تأثيرات سلبية على إيران"، وبعث الأستاذ أحمد عبدالحفيظ المحامي والناشط السياسي، برسالة رقيقة، أكد فيها أن "النظام الإيراني يسير على طريق السادات، لكن النتائج لن تكون بالسوء ذاته، لأن طهران ليست صاحبة مشاكل إستراتيجية حقيقية مع الغرب".

أما الأستاذ محمد أحمد فؤاد فقال "ربما يمهد الاتفاق الطريق لأنماط اجتماعية وثقافية، وأظن أن إيران تستعد للقيام بدور هام في المنطقة"، وفي تعليق آخر اختلف مع المقال تماما، أوضح الإعلامي محمود القصاص أن "الاتفاق نجاح كبير لطهران، واعتراف من الغرب بدورها في المنطقة، والمشكلة أن هذا الدور في كثير منه ضد مصالح العرب".

كان أكثر التعليقات استفاضة، الذي تلقيته من الصديق محمد عباس ناجي الخبير من الشئون الإيرانية، وبدا في معظمه مختلفا مع ما توصل إليه المقال، رغم اعترافه بعدم استبعاد حدوث ما توصلت إليه، لكنه مال بناء على خبراته الطويلة وزيارته لطهران، إلى نفي فكرة الانغلاق عن المجتمع الإيراني، وعدم الربط بين الحريات والاستثمارات، وأن هذه الدولة عاقلة جدا، وأنه لم يشاهد إلا النذر اليسير من الملالي فيها، وهي "دولة طبيعية مثل أي دولة أخرى".

مع تقديري واحترامي الكاملين لكل من تطوع واتفق أو اختلف مع المقال السابق، ممن ذكرت أسماءهم أو لم أذكر، إلا أن المناقشات والتعليقات كشفت لي عن أوجه جديدة ومتعددة، تؤكد أن إبرام الاتفاق النووي، لن يكون خطوة لتسكين أو تخريب إيران فقط، لكنه مرجح أن يتحول إلى قفزة كبيرة للمنطقة، في الهواء أو على الأرض، سوف ترخي بظلال متباينة على عدد من القضايا المطروحة حاليا، لأن جهات كثيرة بدأت تتعامل معه على أنه أحد أنواع التحول الإستراتيجي المهمة، والتي طال انتظارها، ويمكن التوقف عند أربع ملاحظات رئيسية.

الأولى، أن إيران، شئنا أم أبينا، فاعل محوري في المنطقة، وتحركاتها، بصرف النظر عن طبيعتها والأضرار العربية الناجمة عنها، أحد العناصر المؤثرة في التوازنات الراهنة، والدليل المخاوف التي اجتاحت البعض، خشية تصاعد نفوذ طهران، والغبطة التي انتابت آخرين، انتظارا للقضاء على أسطورة البعبع الذي يهدد منذ سنوات أمن واستقرار كثير من دول المنطقة، الأمر الذي يؤكد أن سلبيات أو إيجابيات الاتفاق النووي، لن تتوقف عند حدود إيران، لكن سوف تمتد إلى معظم الدول، التي لها قواسم مشتركة معها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الثانية، انتهاء الصيغة القديمة التي أقامت عليها إيران وحلفاؤها وأعداؤها والمنافسون لها، الحسابات والتقديرات السياسية لفترة من الوقت، والبحث عن صيغة تتواءم مع المتغيرات الجديدة، بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات، لأن طهران قبل الاتفاق النووي لن تكون بالمواصفات نفسها، بعد التوقيع عليه في صورته النهائية، وظهور الآثار الناتجة عنه، فهناك معركة لكسر العظام لم تتكشف معالمها، سوف تخوضها الأطراف الموقعة على الاتفاق، من أجل الوصول إلى الغايات الأساسية التي دفعت إليه.

الثالثة، الوضع الذي قبلت به إيران، بناء على الاتفاق، سوف يجبرها، عاجلا أم آجلا، على إدخال تعديلات هيكلية في مناحي مختلفة، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، بالتالي سوف تتولد معطيات، تتسق مع حجم التغير الذي دخل على البيئة المحلية.

الرابعة، من تصوروا أن إيران يمكن أن تعيد تكرار نموذج الصين، المنفتحة على العالم اقتصاديا والمنغلقة في بعض الأوجه السياسية، تجاهلوا الأبعاد والفروق النسبية الكثيرة، فقد نجحت بكين في الحفاظ على مصالحها، في خضم رياح عاتية تأتيها من الشرق والغرب، ليس فقط لأنها تملك إمكانيات وقدرات وفيرة، لكن أيضا لأن قوى مختلفة لا تريد لها السقوط تماما في الوحل، حيث أصبحت أحد عناصر التوازن في اقتصاديات البعض، ومن الدول المؤثرة فيه، لذلك هناك من يحرص على عدم التمادي في العبث، لأن نتائج الخراب سوف تتجاوز حدودها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>