First Published: 2015-07-31

تركيا في سوريا: التدخل الذي لا يربك دمشق!

 

يحاول اردوغان قلب الطاولة على التحالف الداعم للأكراد ضمن خريطة لا تثير إيران ولا تُقلق موسكو ولا تُربك التواصل في الدوحة بين لافروف وكيري حول حلّ المعضلة السورية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تقذفُ الأزمة السورية بإرهاصات كيان كردي مستقل على الحدود مع تركيا. تعظِّم المأساة السورية من إمكانك تواصل جغرافي ما بين أكراد تركيا وأكراد سوريا، لا سيما أن "الورم" الكردي في الشمال السوري متناسل من "ورم" في تركيا، لطالما قضَّ مضجع الحاكم في أنقرة. الأكراد-المعضلة بالنسبة لتركيا هم النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان في تركيا.

على هذا يظهرُ وهن المصالحة الداخلية، أو سياقها، بين المركز الحاكم في أنقرة والأطراف الكردية وامتداداتها في جبال قنديل شمال أربيل. بدا أن "مغامرة" أردوغان للخروج من الحرب "الأهلية" بين أتراك وأكراد تتعرض لأزمة بقاء، ذلك أن الانتخابات الأخيرة أظهرت علّة ما في فكرة الصلح والتطبيع عند الأكراد كما عند الأتراك. بالمقابل تنفخُ التطورات العراقية السورية بواقع حال جديد يعززُ من الميول الانفصالية لأكراد البلدين، بما يعززُ بالمقابل أمل الأكراد في تركيا في نيل ما لم تسمح ظروف الأمس بنيله.

بين أردوغان والأكراد ما يبررُ اتّساع الهوة بين منطقيْن. تقدّم الرئيس التركي بسابقة تصالحية كبرى أقنعت أوجلان في سجنه في جزيرة إمرالي التركية، فصدر عنه في ربيع 2013 طلب لاتباعه بنزع سلاحهم. تقدّم أردوغان بمبادرته الجريئة حين كان حزبُه يتقدم المشهد السياسي، وحين كانت مناوراتُه تهيمن برحابة على الحياة السياسية في البلد. ترعرع السياق التصالحي وسط جدل رافض ومشكك لدى بعض قوميي تركيا كما لدى راديكاليي الحراك الكردي. كانت خطوات أردوغان متهوّرة بالنسبة للقوميين الاتراك وبطيئة بالنسبة للمشككين الأكراد. في خضم ذلك الخلل انقلب المشهد التركي.

تسبب الأكراد، من خلال حزب الشعوب الديمقراطي، بقيادة صلاح الدين دميرطاش بتراجع حزب العدالة والتمنية عن موقعه الأغلبي في البرلمان في الانتخابات الأخيرة. بدا أن اردوغان وحزبه يدفعون ثمن ما عملوا عليه لتشجيع انخراط الاكراد في العملية السياسية التركية. كان أردوغان قد تحسّب لذلك الاحتمال عشية الانتخابات، وتوقّع أن يخسر أصواتاً كردية، فراح يحاول تعويضها من خلال خطاب شعبوي متعجّل يستلهم نوستالجيا عثمانية. فاقم ذلك من أمر الرئيس التركي بحيث احتد الفرز بين تركي وكردي، فأتاح ذلك لدميرطاش وصحبه تسجيل الاختراق. فقد حزب الرئيس توازناً كان ضرورياً للاستمرار في الهيمنة على أنقرة، وفقد الرئيس طموحاته في انتزاع صلاحيات تجعل منه الرئيس-السلطان.

تمكّنت تركيا منذ غزو العراق من مداراة التشكّل المستقل للكيان الكردي شمال العراق. وذهبت أنقرة إلى حدِّ التحالف مع كردستان العراق على حساب عاصمة العراق. وراحت الاستثمارات التركية تتراكم برحابة في كردستان، فيما المنفذ التركي للنفط من كردستان مثّل تعاملاً استراتيجياً تعترف من خلاله أنقرة بإقليم كردستان كياناً مستقلاً، وتستقبل رئيسه استقبال رؤوساء الدول، دون أن تصلَ الأمور إلى مرتبة القبول بقيام تلك الدولة.

فهم مسعود بارزاني حدودَ المسموح فراح يتحرى تعظيمَ ما هو مسموح. على أن حراكَ الأكراد في سوريا (واجهته "قوات الحماية الشعبية الكردية")، وعلى الرغم من نفوذ بارزاني ولعبه دور الوسيط الراعي الناصح لأقرانه السوريين، أخذ شكلاً مهدداً لتركيا، ومنذ اللحظات الأولى لظهور علاماته. شكّل الحراك الكردي رداً دمشقياً على أنقرة، وهي (أي دمشق) لطالما مارست هذا التمرين، حين كانت تدعم علناً حزب العمال الكردستاني وتدرّب قواته وتستضيف زعيمه، قبل أن يجبرها التهديد العسكري التركي، في عهد سليمان ديمريل، على التخلي عن تلك الورقة (1998).

وإذا ما اعتُبرت التنوعات الإسلاموية، بما في ذلك تنظيم داعش، شكلاً من أشكال الردع التركي لنظام دمشق كما للطموحات الكردية الحدودية (احتلال داعش لعين عرب/كوباني مثالاً)، فإن تدخل التحالف الدولي لصالح أكراد سوريا، واعتبارهم أساساً في عملية مكافحة تنظيم البغدادي، أثار لدى أنقرة، حكومة وأحزاباً وجيشاً ومؤسسات أمنية، إحساساً مضاعفاً بخطورة التطوّر الكردي في سوريا وعجالة اتخاذ ما هو ضروري للتصدي له.

لم يوافق المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة على خطط أردوغان قبل سنوات لإقامة منطقة عازلة ومنطقة حظر طيران داخل الأراضي السورية المتاخمة للحدود مع بلاده. لم تنظر العواصم الغربية بعين الرضا إلى ما يمكن أن يترتَب عليه تدخل حلف الأطلسي، من خلال دعم ورعاية أحد أعضائه الأساسيين، في عمليات مباشرة داخل سوريا. لم يكن هذا الغرب مرتاحاً لإمساك أنقرة بزمام أمور قد تقرر هوية الحاكم المقبل في دمشق. وربما السبب الأساسي لهذا التحفّظ الأوبامي يعود إلى استناد الملف التركي على العداء لنظام دمشق وسعيه لمناورة تطيح، بالنهاية، بهذا النظام. لم تكن هذه المقاربة عاجلة بالنسبة للغرب إلى درجة التورط والمغامرة في دعم عملية أطلسية من هذا النوع.

فهمت تركيا اليوم المزاج المهيمن على العقلية الغربية الحاكمة. حاولت أنقرة التعبير عن "حردها" فتعاملت ببرودة مع التحالف الدولي ضد داعش، ولم تسمح باستخدام أراضيها لضرب التنظيم، فيما فهم الخبراء "غض الطرف" التركي عن دخول آلاف المقاتلين من خلال الحدود التركية نحو معسكرات البغدادي، أنه تواطؤٌ يفصحُ عن علاقة مصالح بين الحاكم التركي وذلك التنظيم.كان على أردوغان أن يتراجع عن عناده ويفهم أولويات واشنطن لكي يدافع عن أولوياته.

تكشفُ حملة الاعتقالات التي شنّتها السلطات التركية ضد مئات من ناشطي التنظيم، كما اقفال الحدود أمام الداعشيين في الذهاب والإياب ما استشعره تنظيم البغدادي قطيعة تبرر استهداف تركيا بهجمات التنظيم الأخيرة.

لكن خبثَ السياسة قد يقود أيضاً إلى استنتاج احتمال أن تكون انقرة قد استدعت داعش، من خلال معاداته واستفزازه على الأقل، لتقديم ما يستدعي تركيا إلى الداخل السوري. كان واضحاً أن الإجراءات التركية ترسلُ إشارة انضباط والتزام بالجهد الدولي ضد داعش، كما تعلنُ قطيعة مع التنظيم من خلال خنق أهم منافذه اللوجيستية أولاً ثم الشروع بقصف مواقعه لاحقاً. ثم أن السماح بضرب داعش من خلال "انجيرليك" ومطارات تركية أخرى يعني أن ما سيقدِّمه الغرب لتركيا أهم من احتفاظها بورقة داعش. لسان حال أنقرة يقول: أما وأن هذا العالم لن يفهم مقارباتي إلا تحت عنوان "محاربة داعش"، فهو كذلك.

تحرق أنقرة ورقة داعش بالتوازي مع ما فُهم أنه قبول دولي بتشكلات إسلامية أخرى شريكاً في الجهد ضد نظام الاسد. يُحكى أن علامات ذلك ظهرت في تفسير نشر صحيفة الواشنطن بوست الأميركية مقالا للبيب النحاس مسؤول العلاقات الخارجية في حركة "احرار الشام" المتحالفة مع تنظيم النصرة. تُسقط أنقرة تواطؤا مزعوماً مع داعش مقابل قبول دولي لنقاش فكرة تركيا لاقامة منطقة عازلة "معدّلة" لا تهددُ مباشرة نظام دمشق، فلا يستفزُ أمر ذلك طهران وموسكو.

إذا ما كانت أولوية العالم هي محاربة داعش على ما يقول الرئيس الأميركي وما يردد مؤخراً رئيس الوزراء البريطاني، فإن أنقرة تسعى لإقناع العالم بأن سعيها وجدّيتها في هذا الشأن مفصلي وناجعٌ وبديلٌ عن خيارات محلية أخرى، لا سيما تلك التي يوفّرها "الأوجلانيون" السوريون.

يذهب الإقدام التركي إلى ما يشبه الوعود."تركيا قادرة على أن تستخدم القوة في شكل فعال من شانه أن يساعد في تغيير التوازن في سوريا والعراق وجميع انحاء المنطقة". هكذا يرى رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الأمور، فيما يبدو التدخل التركي في أعراضه الراهنة حتمياً لا مناص منه صوناً لأمن تركيا الكلاسيكي العتيق، كما رفداً لأردوغان وحزبه، يستعينون به للخروج من مأزق الانتخابات الأخيرة.

في ذلك الاحتمال يستعيدُ الرئيس التركي زمام المبادرة، يعيدُ للعسكر دوراً أساسياً لطالما سعى لتحجيمه، ما يوسّع من حضور الجيش المقبل في المشهد السياسي إلى جانب رئيس البلاد، يبدّل من المزاج الشعبي العام حين تكون البلاد خلف رئيسها وجيشها في عمل عسكري كبير، ما يرفع حظوظ استعادته للصدارة في أي انتخابات مبكّرة قد يدعو إليها حال بدء العمليات العسكرية.

لكن بالنهاية تبدو المناورةُ التركية هذه المرة تركية الحوافز لا تسعى لتغيير كبير يقلب توازنات السلطة في دمشق. واضح أن الأتراك يتحركون ضمن خريطة لا تثير إيران ـ لا سيما خطتها المتعلقة بسورية "المهمة" التي أفصح عنها خطاب الأسد الأخير ـ ولا تُقلق موسكو ولا تُربك ذلك الوصل القادم في الدوحة بين سيرغي لافروف وجون كيري لمناقشة "أفكار جديدة" لحلّ ما للمعضلة السورية.

لكن تركيا التي انتظرت أن تفصح الأيام عن شكل الاتفاق الدولي مع إيران، تتموضع في ما من شأنه أن يجعلها شريكاً أساسياً في الترتيبات الإقليمية التي بدأت روائحها تفضح طبخها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
المزيد

 
>>