First Published: 2015-08-02

ثق بي، أنا صحفي

 

الاستقلال التحريري أكبر أسلحة وسائل الإعلام في الدفاع عن خطابها أمام منافسة متزايدة، والحرية الصحفية أكبر بكثير من مصالح المعلنين وأصحاب القرار السياسي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يتفاقم القلق داخل مكاتب تحرير الصحيفة الوردية المفضلة لأصحاب القرار السياسي ورجال الأعمال عن مستقبلها التحريري بعد امتلاكها من قبل شركة يابانية خاصة.

فلم تضع إدارة فاينانشيال تايمز بعد 127 عاما من عمرها الصحفي أي ضمان لاستقلالية التحرير في عقد بيعها لشركة نيكاي اليابانية.

في النهاية، الأمر يتعلق بالمال حول صحيفة مازالت تمتلك من المشتركين ما يجعلها خارج سوق الصحافة المريضة في بريطانيا والعالم، عندما دفعت نيكاي اليابانية أكثر من أكسيل سبرنجر الألمانية، للاستحواذ على الصحيفة التي تملك قيمة تذكارية، وفق تعبير جون جابيير، فهي مثل أي منزل معروض للبيع في أرقى شارع في مدينة، ليس هناك العديد منها ولا يتم عرضها للبيع في كثير من الأحيان، “يصعب عليّ إيجاد معادل لصحيفة عربية في بغداد أو بيروت أو القاهرة كي أقارنها بمباني مدننا التاريخية”.

الحديث عن الاستقلالية وحرية الصحافة غير مرتبط بصفقة بيع فاينانشيال تايمز التي شغلت الأوساط العالمية، لأنه سؤال تاريخي لم تتغير دلالته وإن اختلفت صيغته مع تطور وسائل الإعلام.

لكن أهمية هذا السؤال تصاعدت على نحو متزايد في العالم الرقمي بسبب تجاور الاختلافات الثقافية وارتفاع مستوى الضغوط الاقتصادية والتحديات السياسية ودخول المواطن الصحفي الفضاء الإعلامي بقوة وسرعة، فأصبح مفهوم حرية الصحافة أصعب ممّا كان عليه.

إلا أن جون فالون، الرئيس التنفيذي لشركة بيرسون، المالك السابق للصحيفة التي استمرت 58 عاما، قد طمأن الجمهور بقوله إن “المال الياباني لا يشكل خطرا على استقلالية وحرية التحرير الصحفي”، معتبرا في الوقت نفسه عدم وجود قواعد لضمان حرية التحرير.

مثل هذا الكلام لم يرق لجين مارتنسون وهي تعرض لصفقة القرن الصحفية في مقال بصحيفة الغارديان بتساؤلها عمّا إذا كان مثل هذا الكلام يقودنا إلى تحول الصحفي إلى رجل أعمال يفكر في المال أكثر ممّا يفكر في صناعة الرأي.

لأن الاستقلال التحريري والنزاهة هما أكبر أسلحة وسائل الإعلام في الدفاع عن خطابها أمام منافسة متزايدة، هذه ليست مجرد مسألة أخلاقية في العصر الرقمي، فجملة “ثق بي، أنا صحفي” لا يمكن إطلاقها لمجرد المزاح، الأمر أكبر بكثير من مصالح المعلنين وأصحاب القرار السياسي.

كان مثل هذا القلق قد تصاعد عام 2007 عند انتقال صحيفة وول ستريت جورنال إلى إمبراطورية قطب الإعلام روبيرت مردوخ، فماذا حصل؟

لا أريد العمل لهذا الرجل!، كان أول ردة فعل على هذا الاستيلاء المالي بعد أن أثار قلقا داخل صالة التحرير، وتسبب بدوره في عدد من الاستقالات، مثلما فعل توماس والكر الذي كان يعمل في قسم الأخبار الدولية في وول ستريت جورنال عندما خرج من مبنى داو جونز بنيويورك، ليعلن استقالته قائلا لوكالة أسوشييتد برس “لا أريد العمل لهذا الرجل”، قاصدا مردوخ.

كل ذلك القلق والجدل حصل على الرغم من تعهد مردوخ بعدم التدخل تحريريا في محتوى الصحيفة، وعلى الرغم من تأكيد شركة نيوزكورب على هذا التعهّد، إلا أن هناك الكثيرين الذين يشكون في مدى صدق مردوخ، معتبرين أن كل ما قاله سيتبخر عندما تستدعي مصلحته ذلك.

كل الذي فعله مردوخ آنذاك، المالك الجديد للصحيفة، هو فقط تقليل سمك صفحات الجريدة وتغيير محتوى وثقافة الصحيفة عبر إحلال الأنباء العامة محل الأخبار المالية في الصفحة الأولى وإضافة صفحة رياضية أسبوعية للجريدة لا تضيف شيئا للكم الهائل من الأخبار الرياضية.

ومهما يكن من أمر، فإن فاينانشيال تايمز حافظت قبل أن تتحول تحت سلطة مالكها الياباني الجديد، على جودتها العالية ولم تتعثر في الزمن الرقمي ولم تدخل مصحة السوق المريضة ولديها 734 ألف مشترك في النسختين المطبوعة والرقمية. وهو رقم يكفي ليجعل المسؤولين في المالك الجديد لشركة نيكاي اليابانية يدركون أن أي تحرك لهم لا يمكن أن يعود بالصحيفة إلى الوراء، لأن تعثر فاينانشيال تايمز في الإيرادات أو الاشتراك، يعني أن التاريخ قد يحكم بأن بيرسون قد باعت في اللحظة المناسبة.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>