First Published: 2015-08-03

لبنان: الاحتضار.. نظاماً وكياناً!

 

البلدُ الذي لا يستطيع أن يديرَ ملف نفاياته في القرن الواحد والعشرين لا يمكنه منطقياً إدارة ملفات جامعاته ومستشفياته ومؤسساته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

في التعريفات البدائيّة للدولة، أنها المرجع "المحتكر للقوة". بمعنى آخر، وذلك شرط من شروط وجودها، تستقيلُ القوى الأخرى، بمعناها المسلح وبمعانيها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، حين يفرز العقدُ الأجتماعي، في العصر الحديث، تلك الدولة.

في القوانين والمراسيم والتدابير والقرارات وما يصدرُ عن الحكومات باطنُ قوة يخضع لها المواطنون كفرد أو كجماعة اجتماعية. وقبول القوة والاستسلام لها لا يعودُ فقط إلى خشيّة وجزع، بل إلى حاجة يريدها المحكوم من الحاكم منظّماً لعيشه ومستقبل وجوده. ولئن استغنت الديكتاتورية عن قناعات المواطن واعتبرته تابعاً تسوسُه بالقهر، فإن عمادَ الديمقراطية يرتكزُ على علاقة جدلية بين الفاعل والمفعول به، والتي بدونها لا فعل ولا بقاء.

في الحالة اللبنانية المتأسّسة على مفهوم "الديمقراطية التوافقية" يصبح انتاجُ الدولة تمريناً معقّدا، وربما مستحيلاً، يقفُ وراء أزمات البلد وقلاقله وحروبه. والديمقراطية والتوافق ليستا خياراً أو فذلكة ترفية، بل هي قدر في بلد تمثّل حالُه المتعددُ الطوائف سابقةً لا وجود لها في التاريخ القديم أو في الجغرافيا الراهنة. وفي غياب صيغة الحكم التي ترضي الجميع، تغيبُ الدولة، ولا يظهرُ منها إلا أعراض متخيّلة عن دولة قادمة لم تأت بعد.

تعايشت العائلاتُ السياسية منذ الاستقلال داخل تركيبات حكومية تشبهُ مجالس قيادة المافيات. ليس في التشبيه هجاء لكنه الأقرب لفهم طبيعة العمل السياسي في البلد. فالعائلاتُ التي تجلسُ على طوائف ترومُ تحقيق مصالحها على حساب بعضها البعض أو بالشراكات الجزئية التي تنفي أي مفهوم كليّ للبلد. بكلمة أخرى، أنتجت الطوائف دولاً حقيقيةً داخل دولة مفترضة، وفي اشتداد الأزمات يبقى الحقيقي ويندثرُ المفترض.

من أجل ازدهار الدويلات، لا مصلحة للطوائف بانتاج الدولة الأصيلة بمعناها الحديث، وأي إدعاء بتحري "الدولة العادلة" زعمٌ يراد منه نفيها. ناهيك عن أن قوةَ العائلات مستمدة ٌمن أوردة متّصلة بالخارج بحيث أن جودها مرتبط بمزاج ما هو خارج الحدود. وما هو خارج هذه الأيام، لا سيما في الجوار، يعاني كارثة تُفقده وهجَ الرعاية الحكيم.

في أوجّ الحرب الأهلية اللبنانية، وفي أخطر مراحل إنقسام اللبنانيين وتقطُّع سبل الوصل الطبيعي بينهم، أبقت العائلات السياسية على الشعرة الضرورية لضمان حدٍّ أدنى لوجود الدولة التي يسعى احترابهم لتدجينها. بقيت البنى التحتية تعملُ وفق شروط التناتش البيتي، فتعايشت وسائلُ العيش المستحدثة متكاملةً مع تلك التي توفّرها الدولة من ماء وكهرباء وخطوط امداد تتيحُ تدفق السلع، من تلك الغذائية البسيطة إلى تلك الكمالية الترفية الفارهة.

لا تمثّل أزمة النفايات التاريخية التي يعيشها اللبنانيون أزمة دولة فقط، بل أزمة كيان تطرحُ أسئلة ًحول لزومية بقاء دولة الإستقلال في عجينتها الإجتماعية ونهائية حدودها. تكمنُ خطورة النقاش من أن ذلك يتمُّ متواكباً مع ورشة كبرى في كل المنطقة قد تنالُ من دول وخرائطَ وأشكال حكم. والعلّة لا تَنتجُ عن عجز حكومة "الوحدة الوطنية"، أي حكومة كل العائلات، على الخروج بحلول يفترض أنها إجرائية تقنية، بل من استقالة اللبنانيين، أنفسهم، من تسهيل أي حلول، فيما كانوا مبدعين في إجتراحها في أسوأ فصول احترابهم البيتي.

ترفضُ المناطق الأهلية اللبنانية اقامةَ مطامر لنفايات المناطق الأهلية أخرى. وإذا ما كان من حقّ الناس الدفاع عن نقاء بيئتهم وسلامة صحتهم، فإنهم باتوا في عزوفهم هذا، يفصحون عن تشظٍ حقيقي للبلد باتجاه مسالكَ تفتيتية توفّر منطقاً حاضناً للانحرافات التقسيمية الراهنة، تحت مسميات الفدرالية وما شابهها. لكن تأملاً لهذه الظاهرة يقود إلى اعتبارها طبيعية في بدائيتها وتخلّفها في الأزمان السابقة لنشوء مفهوم الدولة، حتى بمعناه التقليدي غير الحديث، على نحو يعكسُ انهيارها، وحتى عدميتها (أي الدولة) راهناً في الوعيّ الجماعي العام.

غرقُ لبنان داخل نفاياته يمثّل أدنى درك وصل له البلد منذ ولادته، فيما يمثّل الفلتان الأمني الذي يمارسه الأهالي ضد بعضهم البعض، على ما شهدت شوارع البلد مؤخراً، أقصى درجات الفوضى والعبث اللذين باتا أعلى من قدرات مؤسسات البلد الرسمية والحزبية والعائلية على ضبطه.

البلدُ الذي لا يستطيع أن يديرَ ملف نفاياته في القرن الواحد والعشرين لا يمكنه منطقياً إدارة ملفات جامعاته ومستشفياته ومؤسساته.. إلخ، حتى لا نتحدث عن ملفات سياساته الخارجية والدفاعية. وسواء جاءت الاحتجاجات الشعبية على أزمة النفايات عفوية أو مسيّسة، فإن الشارعَ أصبح أقوى من البلد وينذرُ في الدخول في حرب أهلية عمادها الأساسي الأول لقمة العيش.

علينا جميعاً، مهما تباينت قناعاتنا وتعددت خنادقنا أن نعترفَ بأن هناك أزمة نظام سياسي كبرى، وأن الخروجَ من عنق الزحاجة يحتاج إلى إعادة فكّ وتركيب ذلك النظام الذي بات عاقراً منتهي الصلاحية، وأن المؤتمرَ التأسيسي العتيد بات حاجةً ملحّة بغضّ النظر عن أجندات من لمحوا إليه قبل ذلك.

قد يطرب البعض في معسكر ما في هذا البلد من تلك الدعوة التي تماشي هواهم. لكن عقدَ المؤتمر شيء وخلاصاته شيء آخر، وفي التاريخ دروسٌ عن علاجات قضت في أعراضها الجانبية على طموحات وأحلام، ناهيك عن أن إعادة التأسيس في البلد الصغير تستوجب انتظار إعادة التأسيس الكليّ الجارية حالياً على قدم وساق في الإقليم الكبير.

أزمةُ نفايات البلد التي فاحت روائحها صوّب العالم في الزمن المعوّلم، تهددُ تلك المظلة المفترضة المنصوبة فوقه والتي لطالما نُسب إليها تلك "البركة" التي تصونه من الانفحار الكبير. فإذا ما راكم اللبنانيون عجزاً على عجز، على نحو ينهار معه النموذج الميثولوجي للبلد في الوعيّ الدولي العام، فمصير تلك المظلة إلى زوال، بحيث يتعمم مشهد العبث الكلي فيخترق حدود البلد ونواحيه بانتظار الانتهاء من أعمال "الورشة الخبيثة" وانقشاع غبارها.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم جورج نكد
الدولة لبنان

البلدُ الذي لا يستطيع أن يديرَ ملف نفاياته في القرن الواحد والعشرين لا يمكنه منطقياً إدارة ملفات جامعاته ومستشفياته ومؤسساته.. إلخ، حتى لا نتحدث عن ملفات سياساته الخارجية والدفاعية

2015-08-03

الاسم رائد
الدولة لبنان

مقال متشائم لكنه سليم

2015-08-03

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>