First Published: 2015-08-04

الوهن فينا أم في الوطن

 

الأوطان فقدت دلالتها العميقة، بعد أن سلب السياسيون بالأمس ورجال الدين اليوم آثر صعود الإسلام السياسي، الكرامة من المواطنين. فلا وطن دون كرامة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يمكن اختصار مفهوم الوطن في صورة الهاربين منه. من أجل اكتشاف الدلالة الجديدة في أوطان لم تعد تعتد بكرامة مواطنيها.

إنّ تساؤلات مثل هل حقا اندثر الحس العميق بالوطن، هل الوهن فينا أم أنه لم يعد يستوعبنا وضاق فضاؤه علينا؟ تحضر بنفس المستوى الذي عرّف به منظّر جماليات المكان غاستون باشلار الوطن-البيت بوصفه المكان الذي يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليه.

لكن ألم يكتب الشاعر الليبي مفتاح العماري “وطن أحبه ويزدريني”؟ وهل السوريون والعراقيون مثلا مازالوا ينظرون إلى وطنهم بحس عاطفي بوصفه مكانا لائقا للعيش؟

أقترح تحليل الصورة المنشورة على الصفحة الأولى في عدد “العرب” 9990 الصادر يوم الثلاثاء الماضي، بوصفها مثالا لوطن لم يعد من الأهمية أن ندافع عنه، بل نعرّض أنفسنا لخطر الموت في هروبنا منه.

الهاربون من وطنهم أكثر من ثلاثين شابا كما يظهر المقطع العرضي للصورة، يتكدسون في قارب مطاطي لا يسع وفق درجة الأمان لأكثر من 3 أشخاص، فيما يحاول اثنان آخران سحب القارب إلى ضفة وقف عليها المصور يترقب الذين ازدرتهم أوطانهم.

من المخيف بدرجة كبيرة تخيّل كيف شق هذا القارب المطاطي البحر، بل كيف أقدم أولئك الشباب الذين فقدوا الأمل في المجازفة أصلا في قارب لا يمكن استخدامه إلا لرحلات قصيرة، وأي مشاعر تتملكهم وهم يمتطون قطعة مطاطية معرضة للتمزق من شدة الأمواج في بحر مثل الريح، بحر لا يستريح!

وهنا يتغير تعريف منظّر جماليات المكان للوطن بصفته المكان الذي يزدرينا وليس الذي يجب أن يقبلنا، بل لم نعد نقبل به، إنه قوة طاردة وليس وطنا حنونا مثل أم رؤوم، فمثل هذا التعريف صار في متحف الثقافة الوطنية الفلكلورية بمجرد تأمّل آلاف الهاربين من أوطانهم.

فقدت الأوطان دلالتها العميقة، بعد أن سلب السياسيون بالأمس ورجال الدين اليوم آثر صعود الإسلام السياسي، الكرامة من المواطنين. فلا وطن دون كرامة، وإلا ما معنى أن يساوي “المواطن” بين موته في البحر مع أطفاله، على موته في منزله إن كان يمتلك منزلا أصلا.

لا يستعيد الوطن مواصفاته المسلوبة، بخطب رجال الدين في المساجد ودعائهم بحفظ البلاد والعباد، بل عندما يحفظ القانون كرامة العباد.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>